الداخلة تدخل مرحلة “إعادة التموضع”.. ينجا في “البام” وحمية في “الاستقلال” والأعين على ما بعد الانتقالات

صوت الصحراء :القسم السياسي

تحولات سياسية متزامنة تعيد ترتيب الأوراق.. هل نحن أمام مجرد تغيير للانتماءات أم بداية إعادة تشكيل لموازين القوى بجهة الداخلة وادي الذهب؟

لم يعد المشهد السياسي بجهة الداخلة وادي الذهب ثابتاً على الصورة التي كان عليها خلال المرحلة السابقة. فانتقال الخطاط ينجا، رئيس مجلس الجهة، إلى حزب الأصالة والمعاصرة وانضمامه إلى مكتبه السياسي، بالتزامن مع التحاق أمبارك حمية، النائب البرلماني عن دائرة الداخلة ونائب رئيس مجلس الجهة، بحزب الاستقلال، يضعان الساحة المحلية أمام واقع سياسي جديد يستحق القراءة بعيداً عن التسرع في إصدار الأحكام.

التحولان، وإن كان لكل واحد منهما سياقه ومبرراته المعلنة، يأتيان في ظرف سياسي تتجه فيه مختلف الأحزاب إلى إعادة ترتيب صفوفها وبناء تحالفاتها استعداداً للاستحقاقات المقبلة.

وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: من غادر أي حزب؟ ومن التحق بأي حزب؟
بل أصبح: ماذا تعني هذه التحولات بالنسبة إلى موازين القوى داخل الجهة؟

ينجا.. “المبادئ ثابتة والوسيلة تغيرت”

في أول خروج إعلامي له بعد انضمامه إلى المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، حرص الخطاط ينجا على تقديم انتقاله باعتباره تغييراً في الوسيلة وليس في المبادئ.

الرجل، الذي يرأس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب، يقول إن انضمامه إلى “البام” لا يمثل تغييراً للأهداف التي يعمل من أجلها، وإنما اختياراً لأداة سياسية جديدة لتحقيق ما يعتبره مصلحة للجهة وساكنتها.

سياسياً، تحمل هذه الرسالة أكثر من معنى.

فهي من جهة محاولة لتأكيد الاستمرارية، ومن جهة أخرى تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها ينجا جزءاً من القيادة السياسية لحزب وطني، بعدما أصبح عضواً في مكتبه السياسي.

لكن موقعه الجديد سيضعه أيضاً أمام اختبار عملي: هل سيترجم الحضور داخل المكتب السياسي إلى قدرة أكبر على التأثير في الملفات المرتبطة بجهة الداخلة؟

هذا السؤال لن تجيب عنه التصريحات، وإنما ستجيب عنه الممارسة خلال المرحلة المقبلة.

حمية.. انتقال يعيد “الاستقلال” إلى واجهة المشهد

في الجهة المقابلة، اختار أمبارك حمية حزب الاستقلال بعد إنهاء ارتباطه بالتجمع الوطني للأحرار واستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بذلك.

حمية قدم انتقاله باعتباره نتيجة لـ”الدعم الكبير والتوافق في الرؤية” الذي وجده لدى قيادة حزب الاستقلال، وفي مقدمتها الأمين العام نزار بركة، إلى جانب مولاي حمدي ولد الرشيد ومحمد ولد الرشيد.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد سبقت عملية الالتحاق مشاورات قادها مولاي حمدي ولد الرشيد، انتهت إلى التوافق حول تفاصيل الانتقال.

وهنا تبرز أهمية الخطوة من زاوية أخرى.

فحمية ليس مجرد عضو حزبي، بل منتخب برلماني ونائب لرئيس مجلس الجهة، ما يجعل انتقاله ذا دلالة بالنسبة إلى حزب الاستقلال، الذي يحصل بذلك على شخصية ذات حضور مؤسساتي وانتخابي داخل الجهة.

الأحرار”.. خسارة وجه أم اختبار للقوة التنظيمية؟

لا شك أن خروج أمبارك حمية من التجمع الوطني للأحرار يمثل تطوراً يستحق المتابعة، خصوصاً بالنظر إلى موقعه الانتخابي.

لكن تحويل الأمر مباشرة إلى “خسارة سياسية” للحزب قد يكون حكماً متسرعاً.

فالاختبار الحقيقي بالنسبة إلى “الأحرار” سيكون في مدى قدرته على الحفاظ على بنيته التنظيمية، وتجديد حضوره، واستقطاب كفاءات ووجوه جديدة، وتحويل أي انتقال فردي إلى فرصة لإعادة بناء التنظيم.

وفي السياسة، قد تكون مغادرة شخصية وازنة مؤثرة، لكنها لا تعني بالضرورة انهيار حزب أو فقدانه لقاعدته.

والعكس صحيح أيضاً؛ فاستقطاب شخصية معروفة لا يضمن تلقائياً نجاح الحزب في الانتخابات.

البام” و”الاستقلال”.. هل بدأ سباق جديد؟

مع انتقال ينجا إلى “البام” وحمية إلى “الاستقلال”، يجد الحزبان نفسيهما أمام فرصة لتعزيز حضورهما في جهة الداخلة وادي الذهب.

لكن الاستقطاب السياسي شيء، وتحويل الاستقطاب إلى قوة انتخابية وتنظيمية شيء آخر.

فالانتخابات لا تُحسم بالأسماء وحدها، وإنما بالقدرة على بناء تنظيمات محلية، واستقطاب الناخبين، وتقديم خطاب مقنع، وتشكيل تحالفات، وإدارة الحملات، والأهم الحفاظ على الثقة بعد الانتخابات.

ومن هنا، فإن الأشهر المقبلة قد تحمل مؤشرات أكثر وضوحاً حول الاتجاه الذي ستسلكه الخريطة السياسية المحلية.

هل نحن أمام صراع نفوذ؟

قد يكون من المغري وصف هذه التحولات بأنها بداية “صراع نفوذ” بين الأحزاب، لكن المعطيات المتوفرة حالياً لا تكفي لإطلاق هذا الحكم بصيغة قطعية.

الأدق هو الحديث عن تنافس سياسي متزايد وإعادة تموقع حزبي.

فالفاعلون السياسيون يعيدون حساباتهم، والأحزاب تسعى إلى تقوية مواقعها، والشخصيات المنتخبة تبحث عن أفضل موقع سياسي لخوض المرحلة المقبلة.

وهذا أمر طبيعي في الحياة الحزبية، ما دام يتم في إطار القانون والمؤسسات.

لكن إذا استمرت الانتقالات والاستقطابات، ورافقتها إعادة تشكيل للتحالفات داخل المجالس المنتخبة، فقد يصبح من الممكن الحديث لاحقاً عن تحول أعمق في موازين القوى.

ما الذي يهم المواطن؟

وسط كل هذه الحسابات، يبقى السؤال الأهم خارج مكاتب الأحزاب.

ماذا سيستفيد المواطن؟

ساكنة الداخلة ووادي الذهب لا تتابع فقط أسماء الأحزاب وانتقالات السياسيين، وإنما تتابع نتائج العمل المؤسساتي على الأرض.

فملفات البنية التحتية، والنقل، والتعمير، والماء والتطهير، والنظافة، والاستثمار، والتشغيل، والصيد البحري، والخدمات العمومية، وغيرها من الملفات، هي التي ستحدد في النهاية حجم ثقة المواطن في المنتخبين.

ولهذا، فإن تغيير الانتماء الحزبي لا ينبغي أن يكون معياراً وحيداً للحكم على أي سياسي.

السياسي لا يُقاس فقط بالحزب الذي ينتمي إليه، وإنما بما يفعله عندما يمتلك موقعاً ومسؤولية وصلاحيات.

القادم قد يكون أهم من الانتقالات نفسها

ربما تكون أهمية ما يجري حالياً ليست في الانتقالات ذاتها، وإنما فيما قد ينتج عنها.

هل ستظهر تحالفات جديدة؟

هل ستتغير مواقع بعض المنتخبين؟

هل ستتمكن الأحزاب من استقطاب أسماء أخرى؟

هل ستعيد التنظيمات المحلية ترتيب صفوفها؟

وهل سينعكس هذا التنافس على البرامج والمشاريع والخدمات أم سيظل محصوراً في الحسابات الانتخابية؟

كل هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة.

ومن السابق لأوانه إعلان طرف منتصر وآخر خاسر.

فالسياسة لا تُقاس بلحظة الانتقال، وإنما بما يأتي بعدها.

الخلاصة: الأوراق تحركت.. لكن اللعبة لم تُحسم

انتقال الخطاط ينجا إلى حزب الأصالة والمعاصرة، والتحاق أمبارك حمية بحزب الاستقلال، يمثلان بلا شك تطورين بارزين في المشهد السياسي بجهة الداخلة وادي الذهب.

لكن تحويلهما إلى نتيجة نهائية حول موازين القوى سيكون مبالغاً فيه.

ما حدث حتى الآن هو إعادة تموضع.

أما إعادة تشكيل الخريطة السياسية فعلياً، فستحتاج إلى معطيات أخرى: تحالفات، استقطابات جديدة، دينامية تنظيمية، مواقف سياسية، وأخيراً نتائج انتخابية.

وفي هذه المرحلة، ربما يكون السؤال الأكثر دقة ليس “من ربح ومن خسر؟”، وإنما:

هل ستنجح هذه التحولات في إنتاج سياسة محلية أكثر فعالية، أم ستبقى مجرد تغيير في مواقع اللاعبين؟

الإجابة ستحددها المرحلة المقبلة، وحدها.

أما بالنسبة إلى الإعلام، فالمطلوب هو مراقبة الجميع بالمسافة نفسها: لا تطبيل لمن انتقل، ولا تخوين لمن غادر، ولا أحكام مسبقة على من استقبلته الأحزاب.

فالفيصل في النهاية هو الأداء، والنتائج، والمصلحة العامة، وثقة المواطن.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد