السجال السياسي بين قوة الحجة وانحدار الخطاب

بقلم :محمد الحبيب هويدي
أثبتت تجارب السجال السياسي، في مناسبات عديدة، أن قوة النقاش لا تُقاس بحدة العبارات ولا بارتفاع نبرة الخطاب، وإنما بقدرة كل طرف على تقديم حججه والدفاع عن مواقفه بالوقائع والمعطيات، واحترام حق الطرف الآخر في الاختلاف.
غير أن النقاش السياسي قد ينحرف أحيانًا عن مساره الطبيعي، عندما تتحول مواجهة الأفكار إلى استهداف للأشخاص، ويُستعاض عن الحجة بالسخرية والتنمر وبذاءة اللفظ، بما يجعل النقاش أقرب إلى تصفية الحسابات منه إلى اختلاف سياسي يبحث عن الإقناع.
فالاختلاف في المواقف والبرامج والاختيارات السياسية أمر طبيعي، بل يشكل جزءًا أساسيًا من الحياة الديمقراطية، لكن هذا الاختلاف يفقد قيمته عندما يتحول إلى تجريح أو تشويه أو محاولة لإسكات الرأي المخالف بدل الرد عليه.
وفي المقابل، فإن مقارعة الحجة بالحجة تظل الوسيلة الأكثر وضوحًا لإقناع الرأي العام، لأن المواطن لا يحتاج إلى خطاب قائم على السخرية بقدر ما يحتاج إلى معطيات دقيقة، ومواقف واضحة، وبرامج قابلة للنقاش والمساءلة.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تسريع انتشار السجالات السياسية، ووسعت دائرة المتابعين والمعلقين، لكنها في الوقت نفسه جعلت الخطاب السياسي أكثر عرضة للاختزال والانفعال، خصوصًا عندما يتم التعامل مع القضايا العامة بمنطق التعليق السريع بدل النقاش المسؤول.
وتزداد أهمية الحفاظ على مستوى محترم من الخطاب السياسي خلال الفترات التي تلي الاستحقاقات الانتخابية، حيث تنتهي المنافسة الانتخابية، لكن المسؤولية العامة تبدأ. وفي هذه المرحلة، يفترض أن ينتقل النقاش من الحملات والاتهامات إلى متابعة أداء المنتخبين، ومناقشة البرامج، ورصد مدى تنفيذ الوعود، ومساءلة المسؤولين عن تدبير الشأن العام.
فالسياسة في نهاية المطاف ليست مسابقة في السخرية، ولا مجالًا لتبادل الإهانات، وإنما هي اختلاف في الرؤى والمواقف والبرامج. ومن يمتلك الحجة يستطيع الدفاع عنها بالحجة، ومن يملك المعطيات يمكنه تقديمها للرأي العام، أما تحويل النقاش إلى تنمر وتجريح فلا يضيف شيئًا إلى جوهر القضايا المطروحة.
وبين خطاب يقوم على الحجة وآخر يستند إلى السخرية، يبقى الرأي العام هو الطرف الذي يراقب ويميز بين مضمون الخطاب وطريقة تقديمه، وبين النقد السياسي المشروع والتجريح الشخصي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد