صوت الصحراء: هيئة التحرير
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 مجرد إعادة لترتيب مقاعد مجلس النواب، بل فتحت الباب أمام مرحلة سياسية جديدة، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، متقدماً على عدد من الأحزاب المنافسة، وهو ما وضع الحزب لأول مرة أمام مسؤولية سياسية أكبر في هندسة المرحلة الحكومية المقبلة.
وفي قلب هذا التحول يبرز اسم فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، التي تمكنت بدورها من الفوز بمقعد برلماني عن دائرة سيدي يوسف بن علي بمراكش، لتجد نفسها في صدارة النقاش حول الشخصية التي يمكن أن تمثل الحزب المتصدر في مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة.
وإذا انتهى المسار الدستوري والسياسي إلى تكليفها برئاسة الحكومة، فإن المغرب سيكون أمام محطة غير مسبوقة، باعتبارها أول امرأة مغربية تتولى رئاسة الحكومة، وهو ما سيشكل تحولاً لافتاً في تاريخ الحياة السياسية الوطنية.
الدستور يضع “البام” في واجهة المشاورات
المعطى الدستوري الأساسي واضح: ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، فيما يتم تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
وبالتالي، فإن تصدر “البام” يجعله نقطة الانطلاق في المسار الحكومي المقبل، لكنه لا يعني، في حد ذاته، أن فاطمة الزهراء المنصوري أصبحت رئيسة للحكومة.
السؤال السياسي الآن هو: من سيقترحه الحزب لهذه المهمة، وكيف ستتشكل الأغلبية البرلمانية التي ستدعم الحكومة؟
المنصوري.. من مراكش إلى واجهة المشهد الوطني
مسار فاطمة الزهراء المنصوري يجعل اسمها حاضراً بقوة في هذه المرحلة. فقد سبق لها أن تولت رئاسة جماعة مراكش، كما شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، قبل أن تتولى مسؤولية قيادة حزب الأصالة والمعاصرة.
ومع تصدر الحزب للانتخابات التشريعية وفوزها بمقعدها البرلماني، تنتقل المنصوري إلى موقع سياسي أكثر حساسية، في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات المقبلة.
لكن اللافت في مسارها أيضاً هو البعد الصحراوي في هويتها الاجتماعية؛ فقد صرحت خلال لقاء سياسي بمدينة الداخلة بأنها تنتمي إلى قبيلة أولاد دليم، وهو التصريح الذي أعاد إبراز صلتها الاجتماعية بمكون قبلي له حضور تاريخي وجغرافي في الأقاليم الجنوبية، ولا سيما منطقة الداخلة ووادي الذهب.
وهذا المعطى يمنح حضورها في الداخلة دلالة إضافية، خصوصاً أن التصريح جاء في سياق سياسي وانتخابي شهد حضوراً قوياً لقضايا الصحراء ومختلف مكوناتها الاجتماعية والسياسية.
التحالف الثلاثي.. الحسابات تقود إلى أغلبية
أحد السيناريوهات المطروحة يقوم على استمرار التعاون بين الأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة: الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال.
وبحسب النتائج التي تم تداولها، فإن جمع مقاعد هذه الأحزاب يمنحها أغلبية برلمانية مريحة، وهو ما يجعل استمرار التعاون بينها احتمالاً قائماً من الناحية العددية.
لكن الجديد هذه المرة هو أن ترتيب مكونات الأغلبية تغير بشكل واضح؛ فالحزب الذي كان شريكاً حكومياً أصبح صاحب المرتبة الأولى انتخابياً.
ومن هنا قد تنتقل المفاوضات من سؤال من يقود الحكومة؟ إلى أسئلة أكثر تعقيداً، من قبيل توزيع الحقائب، وترتيب الأولويات الحكومية، وحجم حضور كل حزب داخل الأغلبية.
هل تكون المنصوري أول امرأة تترأس الحكومة المغربية؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة في المرحلة المقبلة.
ففي حال تم اختيار فاطمة الزهراء المنصوري من طرف الحزب المتصدر، ثم جرى تعيينها وفق المسار الدستوري، فإنها ستصبح أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى منصب رئيسة الحكومة.
وسيكون ذلك، إلى جانب البعد المؤسساتي، حدثاً سياسياً ورمزياً كبيراً، خصوصاً أن المنصوري ستكون قد انتقلت من رئاسة جماعة مراكش والوزارة وقيادة حزب سياسي إلى أعلى مسؤولية تنفيذية حكومية.
كما أن انتماءها الذي أعلنت عنه إلى قبيلة أولاد دليم سيجعل وصولها المحتمل إلى رئاسة الحكومة يحمل بعداً إضافياً بالنسبة إلى حضور أبناء الأقاليم الجنوبية ورموزها الاجتماعية في المؤسسات الوطنية، دون أن يعني ذلك اختزال مسارها السياسي في الانتماء القبلي.
الأحرار والاستقلال.. شريكان أم منافسان؟
النتائج تضع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال في موقع بالغ الأهمية.
فكلا الحزبين يحتفظان بوزن برلماني يمكن أن يجعلهما عنصرين أساسيين في أي مفاوضات لتشكيل الأغلبية.
وفي حال استمر التقارب بين الأحزاب الثلاثة، فإن السؤال لن يكون حول توفر الأغلبية فقط، وإنما حول صيغة توزيع المسؤوليات والحقائب والبرنامج الحكومي الجديد.
كما أن انتقال “البام” إلى المرتبة الأولى سيعيد ترتيب موازين القوى داخل أي تحالف محتمل.
وماذا عن العدالة والتنمية؟
عودة العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب تضيف عنصراً آخر إلى المعادلة البرلمانية.
فالنتيجة الجديدة تجعل الحزب رقماً مهماً داخل المؤسسة التشريعية، سواء اختار موقع المعارضة أو أصبح جزءاً من أي صيغة سياسية جديدة.
غير أن دخول الحزب في أغلبية حكومية مع “البام” أو غيره سيحتاج إلى توافقات سياسية وبرنامجية، وهو أمر لا يمكن حسمه من خلال الحسابات العددية وحدها.
من الانتخابات إلى الحكومة.. مرحلة مختلفة
الانتخابات حسمت ترتيب الأحزاب داخل مجلس النواب، لكنها لم تحسم بعد شكل الحكومة المقبلة.
فالمرحلة القادمة ستكون مختلفة عن الحملة الانتخابية، وستتعلق أساساً بالمشاورات، وتشكيل الأغلبية، وتوزيع المسؤوليات، ثم وضع برنامج حكومي قادر على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
وسيكون على الحكومة المقبلة التعامل مع ملفات التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة والتعليم، والاستثمار، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب المشاريع الوطنية الكبرى والاستحقاقات المرتبطة بعام 2030.
السيناريوهات المفتوحة
في ضوء النتائج الحالية، يمكن اختصار المشهد في ثلاثة مسارات رئيسية:
أولاً: حكومة يقودها “البام” بدعم من التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، وهي صيغة توفر أغلبية برلمانية مريحة.
ثانياً: إعادة تشكيل الأغلبية بتركيبة مختلفة، وهو ما سيجعل المفاوضات السياسية أكثر تعقيداً.
ثالثاً: أن تفرز المشاورات داخل “البام” نفسه صيغة بشأن الشخصية التي ستتولى قيادة المرحلة، بحيث لا يكون تصدر الحزب وحده كافياً للحسم في اسم رئيس الحكومة.
وبين هذه السيناريوهات، تبقى فاطمة الزهراء المنصوري واحدة من أبرز الأسماء المطروحة في المشهد الجديد، خصوصاً بعد تصدر حزبها الانتخابات وفوزها بمقعدها البرلماني.
وإذا انتهى المسار إلى تكليفها فعلاً، فإن المغرب سيكون أمام حدث سياسي وتاريخي غير مسبوق: امرأة على رأس الحكومة المغربية، وقيادية تنتمي إلى حزب تصدر الانتخابات، وتعلن في الوقت نفسه انتماءها إلى قبيلة أولاد دليم ذات الامتداد في الأقاليم الجنوبية.
لكن الحسم النهائي سيظل مرتبطاً بالمسار الدستوري والمشاورات السياسية التي ستعقب إعلان النتائج النهائية.
فالانتخابات حسمت ترتيب الأحزاب، أما تشكيل الحكومة فسيكون بداية معركة سياسية جديدة عنوانها: من يقود المرحلة، ومن يصوغ برنامجها، وكيف ستتوزع مراكز القرار داخل الأغلبية المقبلة؟
تعليقات الزوار