ليست بوشان مجرد اسم في الخريطة الإدارية لإقليم الرحامنة، ولا مجرد مجال ترابي ينتظر نصيبه من المشاريع والبرامج، بل هي منطقة تختزن من المؤهلات التاريخية والروحية والاجتماعية ما يجعلها جديرة بأن تكون موضوعاً لرؤية تنموية مختلفة، تتجاوز منطق التدبير العادي إلى منطق تثمين الرصيد المحلي وتحويله إلى قيمة مضافة حقيقية.
ففي زمن أصبحت فيه التنمية المجالية تقاس بقدرة المناطق على اكتشاف خصوصياتها واستثمار مواردها المادية واللامادية، تبدو بوشان أمام فرصة حقيقية لإعادة اكتشاف نفسها. فالموروث الروحي، والذاكرة الجماعية، والروابط الاجتماعية والقبلية، والشخصيات والأسر المرتبطة بتاريخ المنطقة، كلها عناصر يمكن أن تشكل، إذا ما تم توثيقها ودراستها وتثمينها، أساساً لمشروع ثقافي وتنموي قادر على إعطاء المنطقة إشعاعاً جديداً.
وتكتسب الأضرحة والزوايا المنتشرة بالمنطقة أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط باعتبارها مواقع ذات رمزية دينية، وإنما باعتبارها شواهد على تاريخ اجتماعي وروحي يستحق البحث والتوثيق. ومن بين الأسماء التي تحتفظ بها الذاكرة المحلية ضريح الشيخ سيدي عبد الرحمن بدوار الركيبات أيت إحسين بقيادة بوشان، وضريح ابنه سيدي محمد بالزاوية الدرقاوية بجماعة لمحرة، قيادة البحيرة، بدوار أولاد إبراهيم.
وهذه المواقع وغيرها يمكن أن تشكل نواة لمسار جديد في تثمين التراث المحلي، إذا انتقل التعامل معها من مجرد الاستحضار المناسباتي إلى مشروع مؤسساتي يقوم على الجرد والتوثيق والترميم والتعريف، وربطها بمسارات السياحة الثقافية والروحية، بما يساهم في خلق دينامية اقتصادية واجتماعية لفائدة الساكنة.
وتزداد أهمية هذا الموروث بالنظر إلى الروايات المحلية التي تتحدث عن روابط اجتماعية وروحية وقبلية تمتد إلى الأقاليم الجنوبية، وعن صلات بين بعض الأسر والشخصيات المرتبطة ببوشان ومكونات اجتماعية في تلك المناطق.
ومن بين الروايات التي يتم تداولها محلياً ما يتعلق بإبراهيم غالي، الأمين العام لجبهة البوليساريو، وصلته، بحسب هذه الروايات، بسيدي المصطفى ولد سيدي محمد المرتبط بضريح سيدي محمد بدوار أولاد إبراهيم، وبسيدي عبد الرحمن المدفون بمنطقة بوشان.
لكن قوة هذه المعطيات لا يمكن أن تأتي من تداولها وحده، وإنما من إخضاعها للبحث العلمي. فالتاريخ لا يبنى على الرواية الشفوية وحدها، مهما كانت راسخة في الذاكرة الجماعية، وإنما يحتاج إلى الوثائق والمخطوطات وشهادات الأنساب والمصادر التاريخية والبحث الميداني والمقارنة العلمية.
ومن هنا، فإن فتح ورش أكاديمي حول تاريخ بوشان وروابطها الاجتماعية والروحية يمكن أن يكون في حد ذاته مشروعاً ثقافياً مهماً، ليس فقط بالنسبة للمنطقة، وإنما بالنسبة للباحثين في تاريخ الرحامنة والعلاقات الاجتماعية بين مناطق المغرب المختلفة.
والأهم من ذلك أن هذا الموروث يمكن أن يتحول إلى مدخل للتنمية. فالسياحة الروحية والثقافية، على سبيل المثال، لم تعد مجرد نشاط هامشي، بل أصبحت في العديد من المناطق مورداً اقتصادياً يمكن أن يخلق فرصاً للشغل، ويدعم الأنشطة المحلية، ويشجع الاستثمار في الإيواء والخدمات والصناعة التقليدية والمنتجات المجالية.
ويمكن لبوشان، إذا توفرت رؤية واضحة، أن تستفيد من هذا النوع من التنمية، خصوصاً من خلال بناء مسار ثقافي وروحي يعرف بتاريخ المنطقة وأعلامها وزواياها وأضرحتها، وربطه بالمجال القروي والمنتجات المحلية، بما يمنح الرحامنة منتوجاً سياحياً وثقافياً إضافياً.
لكن لا يمكن لأي مشروع تنموي أن ينجح إذا بقيت الساكنة خارج دائرة القرار. فالإنسان المحلي ليس مجرد مستفيد من المشروع، بل هو صاحب الذاكرة وحامل جزء كبير من المعرفة المتعلقة بالمكان.
ولهذا فإن إشراك أبناء بوشان، من منتخبين وفعاليات مدنية وباحثين وشباب ونساء وكفاءات، يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي تصور للمستقبل. كما أن أبناء المنطقة المقيمين خارجها يمكن أن يشكلوا رصيداً مهماً من الكفاءات والخبرات والعلاقات والإمكانات التي يمكن تعبئتها لخدمة المنطقة.
وهنا تطرح الحكامة الترابية نفسها باعتبارها المدخل الحقيقي لأي تحول. فالمناطق لا تتقدم فقط بكثرة المشاريع، وإنما بقدرة المسؤولين على اكتشاف مكامن القوة فيها، والاستماع إلى سكانها، وتوجيه الاستثمارات نحو المجالات التي يمكن أن تحقق أثراً مستداماً.
ومن الخطأ أن ينظر إلى بوشان فقط من زاوية حاجتها إلى المشاريع، بل ينبغي أيضاً النظر إليها من زاوية ما يمكن أن تقدمه للرحامنة. فكل منطقة تمتلك خصوصية، وكل خصوصية يمكن أن تتحول إلى مورد تنموي إذا وجدت من يكتشفها ويؤمن بها ويعرف كيف يستثمرها.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط: ماذا تحتاج بوشان؟ وإنما أيضاً: ماذا يمكن أن تقدم بوشان لإقليم الرحامنة؟
والجواب قد يكون في تاريخها، وفي موروثها الروحي، وفي روابطها الاجتماعية، وفي ذاكرتها الجماعية، وفي أبنائها وكفاءاتها، وفي قدرتها على أن تصبح جسراً بين الذاكرة والتنمية.
إن الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق انتظار المشاريع إلى منطق صناعة الفرص، ومن مجرد الحديث عن المؤهلات إلى بناء مشاريع حولها، ومن ترك الذاكرة عرضة للنسيان إلى توثيقها وحمايتها وتوظيفها في خدمة التنمية.
وفي هذا السياق، فإن أي مبادرة جادة لإطلاق بحث تاريخي شامل حول بوشان، وجرد موروثها، وتوثيق رواياتها، وتأهيل مواقعها، وإدماجها في البرامج الثقافية والسياحية، يمكن أن تشكل بداية لمسار جديد، شريطة أن تتم وفق رؤية علمية ومؤسساتية واضحة.
فبوشان لا تحتاج إلى خطاب يبالغ في وصف مؤهلاتها، كما لا تحتاج إلى من يختزلها في روايات متداولة دون تحقيق؛ ما تحتاجه هو من يضع هذه المؤهلات تحت مجهر البحث العلمي، ثم يبحث عن أفضل السبل لتحويلها إلى مشاريع يستفيد منها الإنسان والمجال.
وإذا توفرت الحكمة وبعد النظر، وتم تجاوز منطق التهميش والانغلاق، وأصبحت الساكنة شريكاً حقيقياً في صناعة القرار التنموي، فإن بوشان يمكن أن تتحول من منطقة تنتظر الالتفاتة إلى منطقة تصنع جزءاً من مستقبل الرحامنة.
عندها لن يكون الرابح هو بوشان وحدها، ولا الرحامنة وحدها، وإنما سيكون الرابح الأكبر هو المغرب، الذي لا تزال ذاكرته تختزن الكثير من الروابط والتفاصيل التي يمكن أن تتحول، إذا أحسن استثمارها، إلى قوة ثقافية واجتماعية واقتصادية تعزز وحدته وإشعاعه.
بوشان ليست كنزاً لأن ماضيها عريق فقط، وإنما لأن هذا الماضي يمكن أن يصبح، إذا أحسن توثيقه وتثمينه، جزءاً من مستقبلها. وبين الحكامة والتاريخ، وبين الذاكرة والتنمية، توجد فرصة حقيقية لصناعة نموذج جديد يجعل من الخصوصية المحلية رافعة للتنمية الوطنية.
تعليقات الزوار