حين تستعصي الصحافة بجهة الداخلة وادي الذهب على التحول إلى دفاع بالوكالة أو هجوم مأجور

بقلم: محمد فاضل حمنة
لا تزال بمدينة الداخلة طاقات إعلامية تؤمن بأن جوهر الممارسة الصحفية يكمن في النزاهة والمصداقية، وفي ضمان حق المواطن في الوصول إلى المعلومة من مصادرها الموثوقة، وممارسة حرية التعبير بمسؤولية واستقلالية. ويواصل عدد من الصحافيين بذل الجهد في البحث عن الخبر من منابعه الأصلية، مع التمييز بين الخبر والرأي والتعليق، بعيدًا عن الاصطفافات السياسية أو الإيديولوجية أو المصالح الاقتصادية.
وهؤلاء يشكلون نموذجًا مهنيًا يستحق كل التقدير، لما راكموه من تجارب قائمة على احترام أخلاقيات المهنة، والالتزام بالأعراف الصحفية، واستحضار مبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير، بما يعزز ثقة المجتمع في الإعلام ودوره الرقابي والتنويري.
غير أن المشهد الإعلامي، كما هو الحال في كثير من البيئات، لا يخلو من ممارسات تثير القلق حين تتحول بعض المنابر من فضاء لنقل الحقيقة إلى منصة للدفاع عن أطراف بعينها أو لمهاجمة أطراف أخرى. فالصحافة التي تُسخر لخدمة الأشخاص أو لتصفية الحسابات تفقد رسالتها الأساسية، وتتحول من سلطة رقابية إلى أداة للتأثير الموجه.
ومن المبادئ الراسخة في العمل الصحفي أن يكون الصحافي على مسافة واحدة من الجميع، فلا يجعل من منتخب أو مسؤول معين هدفًا دائمًا للنقد، بينما يغض الطرف عن ممارسات آخرين يشغلون المسؤولية نفسها. فالمساءلة الصحفية ينبغي أن تكون مبنية على الوقائع والمعايير المهنية، لا على الانتقائية أو الاستهداف أو الاعتبارات الشخصية. وعندما يلاحظ المتتبع أن بعض المنابر تركز بصورة متكررة على شخص دون غيره، رغم تشابه المسؤوليات والوقائع، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام مبدأ الحياد والتوازن، وهما من ركائز أخلاقيات المهنة.
إن النقد الصحفي قيمة ديمقراطية نبيلة، لكنه يفقد مشروعيته عندما يصبح انتقائيًا، كما أن الإشادة تتحول إلى دعاية عندما تكون خاضعة للمصلحة لا للإنجاز. فالصحافة المهنية لا تصنع الأبطال، ولا تبحث عن الخصوم، وإنما تجعل من الحقيقة وحدها معيارًا للنشر، ومن حق المواطن في المعرفة غايتها الأولى.
والصحافة ليست في حاجة إلى سند سياسي أو إداري حتى تؤدي رسالتها، لأن سندها الحقيقي هو ثقة الرأي العام. كما أنها ليست مطالبة بتقديم خدمات مجانية للمجالس المنتخبة أو للمسؤولين، ولا بالانخراط في حملات مدح أو ذم، وإنما بممارسة دورها الرقابي باستقلالية وموضوعية، والدفاع عن شرف الخبر وقدسية الحقيقة.
ومن حق الصحافي أيضًا أن يعيش بكرامة، وأن تتوفر له شروط الاستقلال المهني، حتى لا يصبح عرضة لضغوط المال أو النفوذ أو المصالح الضيقة. كما أن التكوين المستمر، وتعزيز الحس النقدي والتحليلي، والالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة، تشكل جميعها ضمانات أساسية لحماية الصحفي من الانزلاق نحو التبعية أو الارتهان.
إن الصحافة التي يحتاجها المجتمع بجهة الداخلة وادي الذهب ليست صحافة الولاءات، ولا صحافة الخصومات، وإنما صحافة مهنية مستقلة، تُخضع الجميع للمعيار نفسه، وتمنح كل الأطراف حق الرد، وتوازن بين النقد والإنصاف، وتعتبر أن لا أحد فوق المساءلة، ولا أحد خارج دائرة الموضوعية. فحين يكون ميزان الصحفي واحدًا مع الجميع، يكتسب احترام الناس، وتصبح كلمته أكثر تأثيرًا ومصداقية، وتؤدي الصحافة رسالتها النبيلة باعتبارها سلطة أخلاقية ورقابية في خدمة الحقيقة والمصلحة العامة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد