كرة القدم… حين تتحول الأوهام إلى بديل عن النهضة

صوت الصحراء
ليس الانتصار على مصر مجدًا، ولا الهزيمة أمامها عارًا، كما لا يغيّر الفوز أو الخسارة أمام الجزائر أو تونس شيئًا من جوهر واقعنا. فالخرائط لا تتبدل بالأهداف، والأمم لا تُقاس بنتائج المباريات، ولا تُبنى الحضارات بالتصفيق في المدرجات.
نحن شعوب نختلف في الأعلام واللهجات، لكننا نتشابه في الأوجاع: تعليم مأزوم، صحة هشة، بطالة مستفحلة، ثروات تُهدر، وعقول تُستنزف في معارك جانبية. ومع ذلك، نبحث عن العزاء في كرةٍ من جلد، ونعلّق عليها آمالًا أكبر من حجمها، وكأنها قادرة على تعويض ما عجزت عنه السياسات والعقول.
لقد أخطأنا حين جعلنا من لعبة وسيلة لتنفيس الغضب، بدل أن تكون مجرد ترفيه بريء. فالتنمية لا تُقاس بعدد الكؤوس، بل بكرامة الإنسان، وجودة التعليم، وعدالة الفرص، وصحة الأجساد، واستقامة المؤسسات. وهي المعايير ذاتها التي تعتمدها الأمم المتحدة في قياس التنمية البشرية، لا الهتافات ولا الأهازيج.
قال الله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
لكننا نطلب التغيير دون أن نغيّر، وننتظر التقدم ونحن غارقون في تمجيد الوهم. نغضب من أجل مباراة، ولا نغضب من أجل مدرسة مهدّمة أو مستشفى بلا دواء أو شاب بلا أفق. وكأن الوعي قد أُعيد توجيهه بعناية ليصرف الأنظار عن الأسئلة الحقيقية.
إن الشعوب التي ترى في كرة القدم كل شيء، تفعل ذلك لأنها حُرمت من أشياء أهم. فهي لا تهرب إلى الكرة حبًا فيها، بل هروبًا من واقع لا يُطاق. ومع ذلك، يبقى الهروب هروبًا، لا مشروع نهضة.قال تعالى:﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
فالعلم هو البداية، والعمل هو الطريق، والعدل هو الغاية. أما التعصب الأعمى، فهو وقود التخلف، مهما تلون بشعارات الوطنية أو الفخر الزائف.
كرة القدم لعبة… جميلة أحيانًا، مسلية أحيانًا أخرى، لكنها لا تُطعم جائعًا، ولا تعالج مريضًا، ولا تبني وطنًا. والوطن الذي لا يُبنى بالعقل، لن يُنقذه هدف في الدقيقة التسعين.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد