بقلم: محمد فاضل حمنة
أعاد التفاعل الكبير مع المادة المعنونة “أنقذوا الإعلام بالأقاليم الجنوبية من الدخلاء” فتح نقاش جاد حول واقع الممارسة الإعلامية بالأقاليم الجنوبية، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى صحافة مهنية مستقلة تواكب التحولات التي تعرفها المنطقة، وتنقل الحقيقة للرأي العام بمسؤولية وموضوعية.
لقد أصبح من الواضح أن أخطر ما يواجه الإعلام اليوم ليس النقد، وإنما تمدد ما يمكن تسميته بـ”صحافة الاسترزاق”، وهي ممارسة تجعل من العمل الإعلامي وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، أو خدمة أجندات سياسية وانتخابية، أو تصفية الحسابات بين الخصوم، على حساب حق المواطن في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والموثوقة.
هذا النوع من الممارسات لا يسيء فقط إلى صورة الصحافة، بل يضر بثقة المجتمع في الإعلام، ويخلق حالة من التشويش والخلط بين الصحفي المهني الذي يبحث عن الحقيقة، وبين من يستغل صفة الإعلام لتحقيق مكاسب لا علاقة لها برسالة الصحافة وأخلاقياتها.
واليوم، ونحن مقبلون على مرحلة مفصلية تتعلق بتنزيل ورش الحكم الذاتي، فإن الأقاليم الجنوبية تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعلام مسؤول، قادر على مواكبة الأوراش التنموية، وفتح النقاش العمومي، ومساءلة المسؤولين، والدفاع عن المصلحة العامة، بعيدًا عن الشخصنة والولاءات الضيقة.
إن الإعلام الحقيقي لا يقاس بمدى قربه من هذا المسؤول أو ذاك، ولا بحجم الامتيازات التي يحصل عليها، وإنما بقدرته على نقل الحقيقة، واحترام ذكاء المتلقي، والالتزام بالقانون وأخلاقيات المهنة. أما تحويل المنابر الإعلامية إلى أدوات للابتزاز أو الدعاية أو المزايدات، فإنه يسيء إلى الجسم الإعلامي بأكمله ويضر بصورة المنطقة.
ولا يمكن بناء إعلام قوي دون حماية استقلاليته، وتشجيع الكفاءات المهنية، وفتح المجال أمام صحافة مسؤولة تضع المواطن في صلب اهتماماتها، وتتعامل مع مختلف الفاعلين على قدم المساواة، دون انحياز أو ارتهان.
إن مستقبل الأقاليم الجنوبية يحتاج إلى إعلام يصنع الثقة، لا الفتنة؛ ينقل الوقائع، لا الإشاعات؛ ويحترم عقول المواطنين بدل توجيهها أو استغلالها. فالإعلام النزيه شريك في التنمية، ورافعة للديمقراطية، وسند لدولة المؤسسات، بينما تظل صحافة الاسترزاق ظاهرة عابرة، سرعان ما تسقط أمام وعي المجتمع وقوة الحقيقة.
تعليقات الزوار