صوت الصحراء
لم يكن الجدل الذي رافق المصادقة على مخطط التهيئة الجديد لمدينة الداخلة مجرد نقاش تقني حول وثيقة للتعمير، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى قضية رأي عام محلي، بعدما وجد عدد كبير من المواطنين أنفسهم أمام أسئلة مصيرية دون إجابات رسمية واضحة.
فمنذ مصادقة المجلس الجماعي للداخلة ومجلس جماعة العركوب على المشروع، ارتفعت وتيرة التساؤلات بشأن مستقبل عدد من التجزئات السكنية، خاصة الواقعة بمحاذاة المطار والشريط الساحلي والمنطقة الصناعية. وبين كثرة الإشاعات وتداول الروايات غير المؤكدة، ظل المعطى الرسمي غائباً، الأمر الذي عمّق حالة القلق لدى المستفيدين والأسر المعنية.
وليس من الإنصاف اختزال هذه المخاوف في رفض للتنمية أو معارضة لمشاريع إعادة هيكلة المدينة. فغالبية المواطنين يدركون أهمية التخطيط العمراني وضرورة مواكبة التوسع الذي تعرفه الداخلة، لكنهم في المقابل يطالبون بحق بسيط ومشروع يتمثل في الحصول على معلومة دقيقة وواضحة حول مستقبل ممتلكاتهم وحقوقهم، وأثر المخطط الجديد على أوضاعهم.
لقد كشف هذا الملف، مرة أخرى، أن الإشكال لا يكمن فقط في مضمون القرارات، بل أيضاً في كيفية تدبير التواصل حولها. فعندما تغيب المعلومة الرسمية، تصبح الإشاعة المصدر الأول للأخبار، وتتحول التسجيلات الصوتية والمنشورات المتداولة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى بديل عن البلاغات والتوضيحات الصادرة عن المؤسسات المختصة.
إن الوكالة الحضرية، والجماعات الترابية، والسلطات المعنية، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالخروج إلى الرأي العام وتقديم توضيحات دقيقة بشأن مضامين مخطط التهيئة، وحدود تأثيره على الأحياء والتجزئات السكنية، والإجراءات القانونية المعتمدة في حال وجود أي مشاريع تتعلق بإعادة الهيكلة أو نزع الملكية وفق ما ينص عليه القانون.
وفي ظل استمرار الغموض، تتحدث أوساط محلية عن تنسيق بين عدد من المستفيدين من التجزئات السكنية عبر مجموعات على تطبيق “واتساب”، من أجل تنظيم وقفات أو تحركات للمطالبة بكشف الحقيقة ومعرفة مصير بقعهم الأرضية. ورغم أن هذه الدعوات تبقى تعبيراً عن حالة الاحتقان والانتظار، فإنها تعكس أيضاً حجم الفراغ الذي تركه غياب التواصل المؤسساتي.
إن بناء الثقة بين الإدارة والمواطن لا يتحقق بالصمت، ولا بترك المجال للتأويلات، وإنما بالمعلومة الدقيقة والشفافة، وبالإنصات لانشغالات الساكنة. فالكلمة الواضحة الصادرة عن مسؤول مسؤول قد تكون كافية لطمأنة المئات، ووضع حد للإشاعات التي تتوسع كلما تأخر التوضيح.
واليوم، تبدو الداخلة في حاجة إلى حوار مؤسساتي مفتوح يوازن بين متطلبات التنمية العمرانية وحماية حقوق المواطنين، لأن نجاح أي مخطط للتهيئة لا يقاس فقط بما يتضمنه من تصاميم ومشاريع، وإنما أيضاً بقدرته على كسب ثقة الساكنة وإشراكها في فهم التحولات التي تمس حاضرها ومستقبلها.