بقلم الدكتور إدريس الكنبوري
بعض الأحزاب المغربية التي كان لها تاريخ سياسي انتهى مع موت آخر زعمائه. حزب الاستقلال انتهى مع امحمد بوستة، والاتحاد الاشتراكي انتهى مع عبد الرحمان اليوسفي، والتقدم والاشتراكية انتهى مع علي يعته. اليوم أصبحت هذه الأحزاب تحتل المواقع التي كانت تحتلها أحزاب الإدارة بعد أن أصبحت هذه الأخيرة في الصدارة. أصبح حزب الاستقلال مجرد برغي يسد الثقوب في حكومة التجمع الوطني للأحرار وحكومة الأصالة والمعاصرة، بل يعلن مشاركته في الحكومة حتى قبل أن تطلب منه، أما الاتحاد الاشتراكي فلم يعد بينه وبين الاتحاد الدستوري فرق إلا في الرمز، بينما طلق التقدم والاشتراكية كل ما يربطه بالاشتراكية والتقدم وأصبح يقدم نفسه كمكمل للوجبة الحكومية.
من كان يتوقع هذه النهاية المأساوية لهذه الأحزاب التي أصبح يقودها أشخاص بلا تاريخ ولا رؤية ولا وزن؟ كانت الأحزاب الثلاثة تضع على الملك الحسن الثاني شخصيا شروطا للدخول إلى الحكومة، أما اليوم فلم تعد تضع شروطا حتى على أخنوش والمنصوري الذين لا يصلان حتى إلى آخر عضو في تلك الأحزاب أيام أولئك الرجال، حتى إن حزب الاستقلال أصبح يقوم بالمناولة لصالح الأصالة والمعاصرة ويعلن من داخل مقره أن التجمع الوطني للأحرار لن يشارك في حكومة المنصوري.
الدولة نفسها أصبحت تدرك أن تلك الأحزاب لم يعد لها وزن في الشارع فتحولت إلى أحزاب الإدارة القديمة. لقد فهمت أنها لن تقدم لها شيئا، بينما كانت تعتمد في السابق على خطابها السياسي كوسيط لها مع المجتمع، وصارت تدرك بأنها فقدت بريقها السياسي فأصبحت هي وأحزاب الإدارة سواء، وإذا تساويا فمن الأفضل الاعتماد على من هو أقرب في السياسة والمصالح.
لقد ردت الدولة الاعتبار إلى أحزابها جزاء على تضحياتها من أجلها طيلة عقود، فلقد تكبدت تلك الأحزاب خسائر كثيرة نتيجة الهجوم الذي كانت تتلقاه في صحافة الأحزاب الثلاثة، ولائحة النعوت السلبية والاتهامات بموالاة المخزن والداخلية، وها هي اليوم ترسم المشهد السياسي وتهندس الحكومات بينما تقف الأحزاب “التاريخية” بالباب.
أكثر من ذلك توحدت تلك الأحزاب مجتمعة في الموقف من حزب العدالة والتنمية، حتى حزب الاستقلال الذي كان يرفع شعار التعادلية انتقل إلى التعاضدية، وأصبح في المعسكر الآخر، بينما لا يزال يعلق صورة كبيرة في مقره لعلال الفاسي خريج القرويين الذي جدد في مقاصد الشريعة. لو أخذ حزب العدالة والتنمية تلك الصورة ووضعها في مقره لكان أفضل، فعلال الفاسي في حزب الاستقلال عملة، ولكنه سيكون في حزب العدالة والتنمية منهجا.