صوت الصحراء:هيئة التحرير
عاد ملف المحروقات إلى واجهة النقاش العمومي من جديد، وهذه المرة من بوابة تحقيق صحفي اختار له صاحبه يوسف الحيرش عنوان «إمبراطور المحروقات»، فاتحاً الباب أمام أسئلة حساسة تتعلق بالصفقات، والفيول، ولوبيات القطاع، وتداخل المصالح الاقتصادية مع المسؤولية السياسية.
التحقيق لا يتوقف عند أرقام سوق المحروقات وأسعارها، بل يغوص في تفاصيل صفقات للفيول قال إنها تجاوزت 3.8 مليار درهم، ويطرح تساؤلات حول خلفيات استمرار بعض الاختيارات الطاقية، في وقت تتجه فيه البلاد نحو تطوير استعمال الغاز وتعزيز البنية التحتية المرتبطة به.
لكن أكثر جوانب الملف إثارة للجدل يبقى ذلك المتعلق بعلاقة المال والسياسة، خصوصاً مع حضور اسم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي ارتبط اسمه لسنوات بقطاع المحروقات قبل توليه المسؤولية الحكومية.
وهنا يطرح التحقيق سؤالاً بالغ الحساسية: عندما يجتمع النفوذ الاقتصادي مع المسؤولية السياسية، كيف يمكن ضمان وضوح الحدود بين المصلحة الخاصة والقرار العمومي؟ وهل تكفي القواعد القانونية والمؤسساتية القائمة لمنع أي تضارب محتمل في المصالح أو ضمان عدم تأثيره على القرارات العمومية؟
يوسف الحيرش لا يضع القضية، بحسب ما يقدمه التحقيق، في إطار شخص واحد أو شركة واحدة، وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك، عبر مساءلة الطريقة التي يشتغل بها قطاع المحروقات وشبكة المصالح التي تتحرك داخله، وما إذا كان لبعض الفاعلين الاقتصاديين نفوذ يسمح لهم بالتأثير في الخيارات المرتبطة بقطاع استراتيجي.
ومن بين أكثر المعطيات التي تستدعي التوقف قيمة الصفقات المرتبطة بالفيول، والتي تفتح الباب أمام نقاش حول الجدوى الاقتصادية، ومعايير الاختيار، والجهات المستفيدة، ومدى انسجام هذه الصفقات مع التحولات التي يعرفها القطاع الطاقي بالمغرب.
وفي الوقت نفسه، يضع التحقيق ما يسمى «لوبي المحروقات» أمام اختبار الوثائق والأدلة، إذ إن الحديث عن النفوذ أو تضارب المصالح يظل بحاجة إلى معطيات قابلة للتحقق وردود من الأطراف المعنية، حتى لا يتحول النقاش من مساءلة مشروعة إلى أحكام مسبقة.
وبقدر ما يثير التحقيق أسئلة حول رئيس الحكومة ومساره الاقتصادي، فإنه يعيد طرح سؤال أوسع يتجاوز الأشخاص: كيف تضمن الدولة أن تكون القرارات المرتبطة بالقطاعات الاستراتيجية خاضعة أولاً للمصلحة العامة والمنافسة والشفافية؟
فالحديث عن المحروقات ليس نقاشاً اقتصادياً مجرداً، بل يتعلق بقطاع ينعكس بشكل مباشر على كلفة النقل والإنتاج والأسعار والقدرة الشرائية، وبالتالي فإن كل صفقة أو قرار كبير فيه يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الشركات المتنافسة إلى الاقتصاد والمواطن.
ومن هنا تكتسب الوثائق التي يستند إليها التحقيق أهمية خاصة، كما تكتسب الردود الرسمية أهمية موازية، لأن حسم الجدل لا يكون بالشعارات ولا بالتراشق، وإنما بالمعطيات والأرقام والعقود والقرارات القابلة للتدقيق.
وبين تحقيق يرفع سقف الأسئلة، ومؤسسات مطالبة بتقديم التوضيحات، وفاعلين اقتصاديين معنيين بما يثار حول القطاع، يبدو أن ملف المحروقات ما زال يحمل الكثير من الأسئلة المفتوحة.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً: هل يكشف تحقيق «إمبراطور المحروقات» مجرد تفاصيل جديدة عن سوق الطاقة، أم أنه يعيد فتح نقاش أعمق حول العلاقة بين النفوذ الاقتصادي والقرار السياسي في المغرب؟