الانتخابات… حين تتبدل اللافتات ويبقى المشهد نفسه

بقلم محمد الحبيب هويدي
مع اقتراب كل انتخابات تشريعية، يبدو المشهد وكأنه فصل جديد من مسرحية قديمة. تتغير الشعارات، وتُطبع صور جديدة، وتُرفع لافتات بألوان مختلفة، لكن المتفرج لا يحتاج إلى وقت طويل ليكتشف أن الممثلين أنفسهم ما زالوا يحتلون خشبة المسرح، وأن النص لم يتغير إلا في بعض العبارات المنمقة.
فجأة، يصبح المواطن محور الاهتمام. تُكتشف البطالة من جديد، ويُعاد اكتشاف غلاء المعيشة، وتتحول الأحياء المنسية إلى وجهات يومية للمرشحين. الابتسامات تتسع، والمصافحات تطول، والوعود تتكاثر حتى يخيل للناخب أن البلاد ستتحول، بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، إلى جنة من الخدمات والرخاء.
لكن ما إن تُطوى صناديق التصويت حتى تُطوى معها كثير من الوعود، ويعود المواطن إلى موقعه المعتاد… متفرجًا على المشهد نفسه، ينتظر الفصل القادم.
وما يزيد المشهد تعقيدًا أن المنافسة في بعض الأحيان لا تدور بين مشاريع سياسية متباينة، بقدر ما تتحول إلى تداول للأسماء داخل الدوائر نفسها، حتى يخيل للبعض أن بعض المقاعد أصبحت أقرب إلى الإرث السياسي منها إلى التكليف الشعبي. وفي مثل هذه الصور، يضيع جوهر التنافس الديمقراطي الذي يفترض أن يقوم على الكفاءة والبرامج وتكافؤ الفرص، لا على القرابة أو النفوذ أو إعادة إنتاج الوجوه نفسها بأسماء جديدة.
المفارقة أن بعض الوجوه تمتلك قدرة استثنائية على البقاء. لا تخسر مع الخاسرين، ولا تغيب مع الغائبين. فإذا تغيرت موازين القوى، تغيرت معها لغة الخطاب، وتبدلت التحالفات، وأعيدت كتابة المواقف وكأن الذاكرة الوطنية مجرد سبورة تُمسح مع كل مرحلة.
هؤلاء لا يغيرون مبادئهم، لأن المبادئ لا تدخل أصلًا في حساباتهم. إنهم يغيرون فقط اتجاه الريح، ويتقنون فن الهبوط الآمن على أي منصة جديدة. بالأمس كانوا يصفقون بحماس، واليوم يهاجمون بالحماسة نفسها، وغدًا سيقسمون أنهم كانوا دائمًا في صف الحقيقة. وحده الأرشيف يبتسم ساخرًا، لأنه يتذكر أكثر مما يريدون.
أما المواطن، فلا يزال يُطلب منه في كل موسم انتخابي أن يتحلى بالصبر، وأن يمنح الثقة مرة أخرى، وأن يؤجل أحلامه إلى ولاية مقبلة. حتى أصبح الصبر مشروعًا وطنيًا، بينما بقي الإنجاز وعدًا مؤجلًا.
إن الانتخابات ليست المشكلة، بل هي إحدى أهم أدوات التداول الديمقراطي. المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى مناسبة لتبديل الأقنعة بدل تجديد السياسات، وإلى سباق على المواقع بدل التنافس على البرامج، وإلى موسم للخطابات بدل أن تكون محطة للمحاسبة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي ممارسة سياسية هو أن تتحول المسؤولية العامة إلى امتياز يُورَّث، أو أن يصبح الوصول إلى مواقع القرار رهينًا بالأسماء والعلاقات أكثر من ارتباطه بالكفاءة والاستحقاق. فالديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع فقط، وإنما بقدرتها على فتح المجال أمام جميع الكفاءات، وتجديد النخب، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، حتى يشعر المواطن أن صوته يصنع الفرق، وأن المؤسسات تعكس إرادته الحرة.
ولذلك جاء التوجيه الإلهي واضحًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء: 58]. وهي آية تؤكد أن المسؤولية أمانة، وأن معيارها هو الاستحقاق والعدل، لا الاعتبارات الشخصية أو المصالح الضيقة.
فالأوطان لا تُبنى بالتصفيق، ولا تُدار بالولاءات المتحركة، ولا تُنقذها الوعود التي تنتهي صلاحيتها مع انتهاء الحملة الانتخابية. الأوطان تحتاج إلى مسؤول يدرك أن المنصب تكليف لا غنيمة، وأن ثقة الناس ليست شيكًا على بياض، بل عقدًا أخلاقيًا وسياسيًا يُحاسَب عليه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه مع كل استحقاق انتخابي: هل ستكون هذه الانتخابات بداية لتجديد حقيقي في الممارسة السياسية، يفتح الباب أمام الكفاءة ويعيد الاعتبار لثقة المواطن، أم أننا سنكتفي، مرة أخرى، بتغيير الستائر بينما تستمر المسرحية نفسها، ويظل الجمهور يدفع ثمن التذكرة في كل عرض؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد