القبيلة والكفاءة في الصحراء… بين إرث التاريخ ومتطلبات الدولة الحديثة

بقلم محمد الحبيب هويدي
كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية أو برز نقاش حول التعيينات والمسؤوليات، يعود الحديث عن القبيلة ودورها في المجتمع الصحراوي. وبين من يعتبرها مكونا أصيلا للهوية الاجتماعية، ومن يرى أنها أصبحت عائقا أمام ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، يظل السؤال الجوهري مطروحا: هل ينبغي أن يكون الانتماء القبلي معيارا لاختيار المسؤول، أم أن الكفاءة والنزاهة هما الأساس الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع؟
لا أحد ينكر أن القبيلة شكلت عبر التاريخ إحدى ركائز المجتمع الصحراوي، وأسهمت في ترسيخ قيم التضامن والتكافل وحفظ الروابط الاجتماعية، وهي جزء من الموروث الثقافي الذي لا يمكن القفز عليه أو إنكاره. غير أن هذا الدور الاجتماعي يختلف جذريا عن تحويل القبيلة إلى معيار للتنافس السياسي أو وسيلة لتوزيع المسؤوليات والمناصب.
وتشير العديد من الدراسات التاريخية إلى أن الإدارة الاستعمارية الإسبانية وظفت البنية القبلية في الصحراء كإحدى أدوات إدارة الإقليم، من خلال التعامل مع القبائل كوحدات منفصلة وتعزيز الولاءات المحلية، في إطار السياسة الاستعمارية المعروفة بـ”فرق تسد”. وكان الهدف من ذلك الحد من تشكل وحدة سياسية واجتماعية قادرة على مقاومة الاحتلال، عبر استثمار الانقسامات وإبقائها حاضرة في المشهد العام.
ورغم أن تلك المرحلة أصبحت جزءا من الماضي، فإن بعض مظاهر الخطاب القبلي ما زالت تطفو على السطح كلما اقتربت المواعيد الانتخابية أو اشتدت المنافسة السياسية، وكأن المجتمع لم يتحرر بالكامل من إرث حاول الاستعمار تكريسه لعقود.
غير أن الصحراء اليوم ليست صحراء الأمس. فقد تغيرت طبيعة المجتمع، وارتفع مستوى التعليم، واتسعت دائرة الوعي، وأصبح المواطن أكثر قدرة على التمييز بين من يخدمه بالفعل ومن يكتفي باستغلال الانتماءات الضيقة لتحقيق مكاسب سياسية. ولم يعد كثير من المواطنين يقيسون المسؤول باسمه أو قبيلته، بل بما قدمه من إنجازات، ومدى التزامه بقضايا الساكنة، ونزاهته في تدبير الشأن العام، وحضوره الميداني، وقدرته على الدفاع عن مصالح من انتخبوه.
إن احترام القبيلة باعتبارها مكونا اجتماعيا لا يتعارض مع بناء دولة المؤسسات. فالهوية الاجتماعية شيء، وإدارة الشأن العام شيء آخر. والدولة الحديثة لا تقوم على الأنساب، وإنما على المساواة بين المواطنين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإسناد المهام إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والاستحقاق.
ولعل أكبر تحد تواجهه الأقاليم الجنوبية اليوم ليس الحفاظ على القبيلة، فهي باقية باعتبارها جزءا من النسيج الاجتماعي، وإنما تحرير العمل السياسي والإداري من أي توظيف ضيق للانتماءات القبلية، حتى تصبح المنافسة قائمة على البرامج والنتائج والقدرة على تحقيق التنمية، لا على الولاءات التقليدية.
إن مستقبل الصحراء لن تصنعه العصبيات، بل سيصنعه رجال ونساء يمتلكون الكفاءة والنزاهة والرؤية، ويؤمنون بأن خدمة المواطن مسؤولية قبل أن تكون امتيازا. فالمنطقة في حاجة إلى مسؤولين يجمعون بين المعرفة والخبرة وحسن التدبير، ويضعون المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي انتصرت للكفاءة والشفافية استطاعت بناء مؤسسات قوية وتحقيق تنمية مستدامة، بينما بقيت المجتمعات التي رهنت مستقبلها للولاءات الضيقة تدور في حلقة مفرغة من الصراعات وإهدار الطاقات.
إن القبيلة ستظل جزءا من تاريخ الصحراء وهويتها الاجتماعية، لكن المستقبل يجب أن يكون للكفاءة، والنزاهة، والعدالة في تكافؤ الفرص. فحين يصبح معيار المسؤول هو ما يقدمه للوطن والمواطن، لا من أي قبيلة ينتمي، تكون الصحراء قد خطت خطوة حقيقية نحو ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز الوحدة الوطنية، وطي صفحة الممارسات التي حاول الاستعمار في الماضي استغلالها لتفريق المجتمع، وبناء مستقبل عنوانه المواطنة والاستحقاق وخدمة الصالح العام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد