صوت الصحراء : القسم السياسي
بين رغبة الاستقلال في المشاركة، واستعداد الأحرار لتحمل المسؤولية، وموقف المنصوري الرافض للتحالف مع “الحمامة”.. أي أغلبية ستقود الحكومة المقبلة؟
الرباط – دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مرحلة أكثر حساسية، بعدما كشفت التطورات السياسية المتسارعة التي شهدها اليوم السبت أن الخريطة الجديدة للأغلبية لن تكون بالضرورة نسخة مطابقة للتحالف الحكومي السابق، رغم أن الحسابات البرلمانية تسمح، من الناحية العددية، بإعادة جمع حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال في أغلبية تتوفر على 228 مقعداً من أصل 395.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، وهي النتائج التي وضعت “البام” لأول مرة أمام مسؤولية قيادة مفاوضات تشكيل الحكومة، بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها.
غير أن المعادلة السياسية الجديدة تبدو أكثر تعقيداً من مجرد جمع المقاعد، خصوصاً بعد بروز تباين واضح حول مستقبل العلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار.
وخلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، المنعقدة اليوم بالصخيرات، برزت أصوات داخل الحزب تتحفظ على مشاركة “الأحرار” في الحكومة المقبلة، وكان من أبرزها موقف القيادي هشام المهاجري الذي عبر عن رفضه للتحالف مع التجمع الوطني للأحرار، داعياً إلى عدم إعادة إنتاج التركيبة الحكومية السابقة.
وفي الاتجاه نفسه، أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ورئيسة الحكومة المعينة، أن موقفها من مشاركة التجمع الوطني للأحرار كان واضحاً قبل انعقاد دورة المجلس الوطني، مجددة رفضها تشكيل حكومة مع “الأحرار”، وفق ما نقلته القناة الثانية عن تصريحاتها اليوم.
هذا الموقف يضع الحسابات العددية أمام اختبار سياسي حقيقي، إذ إن استبعاد التجمع الوطني للأحرار يعني أن المنصوري ستكون مطالبة بالبحث عن تركيبة أخرى قادرة على توفير الأغلبية البرلمانية اللازمة، وهو ما يعيد إلى الواجهة مجموعة من الأحزاب الأخرى، وفي مقدمتها الاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، بحسب الصيغة التي ستنتهي إليها المشاورات.
وفي المقابل، اختار التجمع الوطني للأحرار عدم إغلاق الباب أمام المشاركة في الحكومة، إذ أكد مجلسه الوطني، المنعقد اليوم بالرباط، استعداد الحزب للمشاركة في الحكومة المقبلة، مفوضاً رئيسه محمد شوكي تدبير هذه المشاركة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية. كما أشاد الحزب بحصيلته خلال الولاية الحكومية المنتهية وبما وصفه بروح المسؤولية التي طبعت عمل الحكومة السابقة.
ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه يأتي في الوقت الذي أصبحت فيه مشاركة “الأحرار” موضع نقاش داخل الحزب المتصدر للانتخابات، وفي وقت لا تزال فيه المفاوضات مفتوحة حول طبيعة الأغلبية المقبلة وتوزيع المسؤوليات داخلها.
أما حزب الاستقلال، فقد حسم اليوم موقفه التنظيمي بشكل واضح، بعدما صادق مجلسه الوطني بالإجماع على المشاركة في الحكومة المقبلة، مفوضاً الأمين العام نزار بركة واللجنة التنفيذية مواصلة المشاورات مع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة.
وكان بركة قد كشف خلال افتتاح دورة المجلس الوطني عن تصور أولي قدمته المنصوري لحزب الاستقلال، يقوم على تشكيل حكومة سياسية قوية ومنسجمة، تنتظم في أقطاب قطاعية متجانسة وتشتغل وفق مبادئ وقواعد واضحة، مع التركيز على أداء الحكومة باعتبارها مرفقاً عمومياً في خدمة المواطنات والمواطنين.
غير أن تصريح بركة بشأن موقف “البام” من التجمع الوطني للأحرار أثار بدوره نقاشاً سياسياً واسعاً، بعدما قال في البداية إن لديه معطيات تفيد برفض المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة مشاركة “الأحرار” في الحكومة، قبل أن يعود ويوضح أن الخبر الذي بلغه لم يكن دقيقاً، وأنه تلقاه كما تلقاه غيره من المغاربة من خلال ما نشرته وسائل الإعلام. وقد أكد مصدر من قيادة حزب الاستقلال أن الأمر لم يتجاوز تداول معطى إعلامي، وأنه لا ينبغي تأويله لخدمة أي أجندة سياسية.
وهذا التصحيح مهم في قراءة المشهد، لأنه يفرق بين ما صدر رسمياً عن المؤسسات الحزبية وبين المعطيات التي تداولتها وسائل الإعلام خلال الساعات الماضية. فالمؤكد تنظيمياً هو أن المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة فوّض المنصوري واللجنة المكلفة بالمشاورات مواصلة التفاوض بشأن تشكيل الحكومة والتحالفات، في حين لم يصدر عن المجلس، وفق المعطيات الرسمية المتاحة، قرار تنظيمي عام بصيغة إعلان القطيعة مع التجمع الوطني للأحرار.
لكن في المقابل، فإن التصريحات السياسية الصادرة عن المنصوري وبعض قيادات “البام” تجعل مستقبل التحالف مع “الأحرار” أحد أكثر الملفات حساسية في المشاورات الجارية.
ويطرح هذا الوضع سؤالاً مركزياً حول ما إذا كانت المنصوري ستذهب نحو أغلبية جديدة بالكامل، أم ستبحث عن صيغة تفاوضية تسمح بإعادة ترتيب العلاقة مع التجمع الوطني للأحرار، خصوصاً أن محمد شوكي سبق أن وصف لقاءه مع المنصوري وأعضاء لجنة المشاورات بأنه اتسم بالوضوح والصراحة، مؤكداً أن مساهمة حزبه في المرحلة المقبلة ستستحضر المصلحة العليا للوطن.
ومن الناحية البرلمانية، فإن استبعاد “الأحرار” لا يعني استحالة تشكيل الحكومة، لكنه يجعل هندستها أكثر تعقيداً. فالأصالة والمعاصرة والاستقلال يملكان معاً 162 مقعداً، ما يعني الحاجة إلى حليف أو أكثر لاستكمال الأغلبية. ومن هنا تبرز أهمية الأحزاب التي احتلت مراتب لاحقة في الانتخابات، باعتبارها قد تصبح طرفاً في الحسابات الجديدة.
وفي المقابل، فإن استمرار “الأحرار” إلى جانب “البام” والاستقلال يجعل الأغلبية تصل إلى 228 مقعداً، وهي أغلبية مريحة عددياً، غير أن الحساب البرلماني لا يحسم وحده طبيعة التحالف، لأن تشكيل الحكومة يرتبط أيضاً بالبرنامج الحكومي، والتوازنات السياسية، وتوزيع المسؤوليات، ومدى الانسجام بين مكوناتها.
وهذا ما يفسر تركيز عدد من المحللين على أن المشاورات الحالية لا ينبغي قراءتها فقط من زاوية عدد المقاعد. فقد ذهب باحثون في الشأن السياسي إلى أن الخريطة البرلمانية الجديدة تفتح عدة احتمالات أمام “حكومة البام”، وأن شكل الأغلبية سيظل مرتبطاً بالمفاوضات التي ستجريها المنصوري مع مختلف القوى السياسية.
وتتجه القراءة السياسية الحالية، وفق هذه المعطيات، نحو اعتبار أن “البام” يوجد أمام مفترق طرق: إما بناء أغلبية جديدة تعكس التحول الذي أفرزته الانتخابات، أو محاولة الإبقاء على جزء من هندسة الأغلبية السابقة مع تغيير موازين القوة داخلها، أو تشكيل تحالف أوسع يضمن الأغلبية ويوفر للحكومة قاعدة سياسية وبرلمانية مريحة.
وفي جميع الحالات، فإن الاستقلال يبدو إلى حدود اليوم منفتحاً على المشاركة، بعدما حسم مجلسه الوطني الأمر بالإجماع، بينما ترك التجمع الوطني للأحرار الباب مفتوحاً أمام المشاركة، في حين وضعت قيادة الأصالة والمعاصرة نفسها في موقع الطرف الذي يملك المبادرة في تحديد شكل الأغلبية المقبلة.
وبذلك، فإن المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات 23 شتنبر يمر بمرحلة إعادة ترتيب للتحالفات، حيث انتقلت الأحزاب من مرحلة التنافس الانتخابي إلى مرحلة التفاوض حول المسؤولية الحكومية. وما يزيد المشهد تعقيداً أن بعض المواقف التي ظهرت خلال الحملة الانتخابية بدأت تتراجع أمام منطق التفاوض المؤسساتي، بينما برزت في المقابل خلافات جديدة حول توزيع النفوذ وشكل الحكومة المقبلة.
ويبقى السؤال الأساسي المطروح خلال الأيام المقبلة: هل ستنجح فاطمة الزهراء المنصوري في بناء أغلبية سياسية جديدة من دون التجمع الوطني للأحرار، أم أن منطق الحسابات البرلمانية والتفاوض السياسي سيقود في نهاية المطاف إلى صيغة تعيد جمع الأحزاب الثلاثة، ولكن بشروط وترتيبات مختلفة عن تلك التي حكمت الحكومة السابقة؟
المؤكد، إلى حدود مساء السبت، أن لا صيغة نهائية للأغلبية الحكومية أُعلن عنها، وأن المشاورات لا تزال مفتوحة، وأن القرارات التي اتخذتها المجالس الوطنية للأحزاب المعنية منحت قياداتها تفويضاً للتفاوض، دون أن تحسم بشكل نهائي شكل الحكومة المقبلة أو توزيع الحقائب الوزارية.
وفي انتظار ما ستفرزه الجولة المقبلة من المشاورات، يبدو أن معادلة الحكومة الجديدة لن تُحسم بالأرقام وحدها، بل بقدرة مختلف الأطراف على التوصل إلى توافق يجمع بين الأغلبية البرلمانية والانسجام السياسي والبرنامج الحكومي، وهي عناصر ستحدد في النهاية شكل التحالف الذي سيقود المرحلة المقبلة.
تعليقات الزوار