صوت الصحراء
صوت الصحراء :القسم السياسي
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت الساحة السياسية في الصحراء تعرف مشهداً لافتاً يستحق التوقف عنده، يتمثل في السباق المتزايد نحو التقاط الصور مع مجموعات من الأشخاص، وتقديمها للرأي العام باعتبارها “التحاقاً جماعياً” بهذا المرشح أو ذاك، أو إعلاناً عن انتقال جماعة أو مكون قبلي من جهة إلى أخرى.
المسألة في ظاهرها تبدو عادية، فكل سياسي من حقه أن يلتقي بأنصاره ومؤيديه وأن يوثق لقاءاته، لكن عندما تتحول الصورة إلى وسيلة لإيهام الرأي العام بأن هذا الطرف يمتلك قبيلة بأكملها، أو أن تلك الجماعة انتقلت جماعياً إلى معسكر معين، فإن الأمر يتجاوز مجرد التوثيق ويدخل في لعبة صناعة الانطباع والتأثير النفسي.
فهل يعقل أن تختزل قبيلة بكامل امتداداتها وأفرادها في خمسين أو مائة شخص ظهروا في صورة؟ وهل أصبح الانتماء القبلي تفويضاً سياسياً يمنح لمن يلتقط الصورة الأفضل أو يجمع العدد الأكبر من الأشخاص حوله؟
القبيلة أكبر بكثير من صورة، وأكبر من مجموعة أشخاص يمكن جمعهم في مناسبة أو لقاء. وأبناء القبيلة، مثل غيرهم من المواطنين، لهم قناعاتهم واختياراتهم وحساباتهم الخاصة، وليس من المنطقي اعتبار ظهور بعض الأشخاص إلى جانب مرشح ما إعلاناً باسم جميع أفراد القبيلة أو دليلاً على امتلاك أصواتها.
الأكثر إثارة للانتباه هو أن المشهد بدأ يتحول إلى ما يشبه “ميركاتو انتخابياً” للوجوه والمجموعات، حيث تتسابق الأطراف على استقطاب هذا الشخص أو تلك المجموعة، ثم تأتي الصورة لتعلن أمام الجميع أن “فلاناً التحق”، وأن “الجماعة الفلانية أصبحت هنا”، وأن ميزان القوى يميل نحو هذا الطرف أو ذاك.
وفي خضم هذا السباق، تتردد أحاديث عن أموال ودعم وصفقات مقابل استقطاب مجموعات معينة، وهي أمور لا يمكن التعامل معها كحقائق إلا إذا دعمتها معطيات وأدلة واضحة، لكنها في المقابل تكشف حجم التوتر والمنافسة التي بدأت تطبع المشهد الانتخابي.
لقد أصبحت الصورة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً سياسياً لا يقل أهمية عن الخطاب الانتخابي. صورة واحدة تضم عشرات الأشخاص يمكن أن تنتشر في دقائق، وتخلق انطباعاً لدى المتلقي بأن صاحبها يمتلك قوة اجتماعية وانتخابية هائلة، حتى لو كان العدد الموجود في الصورة لا يعكس بالضرورة حقيقة ذلك الامتداد.
وهنا بالضبط يمكن الحديث عن “حرب إعلامية” موازية للمعركة الانتخابية. فالمقصود من بعض الصور قد لا يكون فقط إظهار المؤيدين، بل إرسال رسائل إلى الخصوم والناخبين معاً: نحن أقوياء، نحن نتقدم، نحن نستقطب، وأنتم تخسرون.
وقد تكون بعض هذه الصور مجرد محاولة لرفع معنويات الأنصار وإرباك المنافسين وصناعة سردية انتخابية قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية داخل صناديق الاقتراع.
لكن الانتخابات لا تُحسم بالصور، ولا بعدد الأشخاص الذين وقفوا أمام عدسة الكاميرا، ولا بعدد الإعلانات عن “الالتحاقات”. فالاختبار الحقيقي سيأتي عندما تُغلق صناديق الاقتراع وتبدأ عملية فرز الأصوات.
قد تكون الصورة كبيرة، لكن عدد الأصوات التي ستنتج عنها صغيراً. وقد يكون الحشد الذي ملأ مواقع التواصل الاجتماعي أقل تأثيراً من ناخبين لم يظهروا في أي صورة ولم يعلنوا موقفهم أمام الكاميرات.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب وسط هذا الضجيج: القبيلة ليست صورة، والجماعة ليست بالضرورة أصواتاً، ومن يظهر في صورة لا يتحدث بالضرورة باسم من لم يظهر فيها.
أما “حرب الصور” التي نشهدها اليوم، فستظل مجرد معركة في الفضاء الإعلامي إلى أن يقول الصندوق كلمته، وعندها فقط سيتبين من كان يملك فعلاً القوة الانتخابية، ومن كان يملك فقط القدرة على صناعة الصور.