صوت الصحراء
اللص العادي يسرق مالاً أو هاتفاً أو ممتلكات، فتكون الضحية معروفة والخسارة محددة. لكن هناك نوعاً آخر من الخسارة لا يُقاس بما اختفى من الجيب، وإنما بما ضاع من فرص التنمية والعمل والعيش الكريم.
حين تُستغل المسؤولية العامة لتحقيق مصالح خاصة، فإن الضرر قد لا يظهر في يوم واحد، وقد لا يكون من السهل تحديد قيمته. مشروع يتأخر، استثمار لا يتحقق، وظيفة لا تُخلق، خدمة عمومية لا تصل إلى المواطن، أو ثروة تُدار بطريقة تحرم المجتمع من جزء من إمكاناتها. هنا لا يتعلق الأمر فقط بما قد يُهدر من المال، بل بما يمكن أن يُفقد من المستقبل.
والفارق أن المسؤول المنتخب أو المعين يفترض أن يمارس صلاحياته لخدمة المصلحة العامة، ولذلك فإن أي تجاوز محتمل لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للاتهامات السياسية أو تصفية الحسابات، بل إلى موضوع للرقابة والتحقيق والمحاسبة متى وجدت وقائع وأدلة تستدعي ذلك.
فالمجتمع لا يحمي المال العام بالشعارات، وإنما بمؤسسات رقابية فعالة، وشفافية في تدبير الموارد، وقضاء مستقل، وصحافة مهنية، وانتخابات تسمح للمواطنين بتقييم حصيلة من تحملوا المسؤولية، بعيداً عن الحملات الانتخابية والوعود التي تنتهي بانتهاء صناديق الاقتراع.
والأخطر أن المواطن قد ينسى قيمة المال الذي أُهدر، لكنه يعيش لسنوات نتائج الفرصة التي ضاعت بسببه. فمشروع لم يُنجز اليوم قد يعني فرص عمل أقل غداً، وقرار سيئ قد يؤخر تنمية منطقة بأكملها، وغياب المحاسبة قد يجعل الخطأ يتكرر بأشكال مختلفة.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التمييز بين النقد السياسي والاتهام الجنائي، وبين سوء التقدير والفساد، وبين الاختلاف حول السياسات ووجود مخالفات مثبتة. فالمحاسبة الحقيقية لا تحتاج إلى التشهير، وإنما إلى الوقائع والأدلة والقانون.
في النهاية، قد لا تكون أخطر سرقة هي تلك التي يفقد فيها المواطن ما يملك، بل تلك التي يفقد فيها ما كان يمكن أن يحصل عليه.
فاللص العادي قد يسرق من جيبك مالاً، أما حين تغيب الحكامة والمحاسبة، فقد تضيع من المجتمع سنوات من المستقبل.