بعيداً عن الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تنتظر الرأي العام المحلي إجابات بشأنها، اختار قادة حزب التجمع الوطني للأحرار من منصة الداخلة توجيه رسائل سياسية مباشرة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة تعكس حجم التنافس الذي بدأ يشتد مبكراً قبل الانتخابات التشريعية.
كلمة محمد أوجار جاءت الأكثر وضوحاً، إذ هاجم ظاهرة الترحال السياسي واعتبرها تهديداً للمسار الديمقراطي، في وقت يرى فيه متابعون أن هذا الخطاب لا يمكن فصله عن التحركات السياسية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، حيث أصبحت استقطابات المنتخبين عنواناً بارزاً في المرحلة الحالية. وبذلك، بدا أن أوجار كان يخاطب خصماً سياسياً بعينه أكثر مما كان يناقش مبدأً عاماً.
في المقابل، ركز محمد شوكي على الدفاع عن الحصيلة الحكومية، بينما واصل عزيز أخنوش تقديم صورة متفائلة عن أداء الحكومة، متحدثاً عن الإنجازات والإصلاحات. غير أن هذه الرسائل اصطدمت بانتظارات جزء من المواطنين الذين كانوا يأملون في سماع مواقف واضحة بشأن ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، والجدل الذي أثاره رفض الأغلبية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ملف دعم استيراد المواشي.
أما على المستوى الجهوي، فقد غابت عن الخطابات أجوبة تفصيلية حول الإشكالات التي تواجه جهة الداخلة وادي الذهب، وفي مقدمتها قطاع الصحة، وفرص الشغل، وتسريع الاستثمار، وجودة الخدمات العمومية. كما لم يتم التطرق بشكل مفصل إلى التحديات المرتبطة بالتنمية المحلية، رغم أن الجهة تعد من بين أهم الأقطاب التنموية في الأقاليم الجنوبية.
ويشير متابعون إلى أن جزءاً كبيراً من المشاريع المنجزة بالجهة يدخل في إطار برامج الدولة والاستراتيجيات الوطنية التي تشرف على تنفيذها مختلف المؤسسات، إلى جانب الدور الذي تضطلع به السلطات الترابية في تتبع وتنزيل عدد من الأوراش. لذلك، فإن تقديم هذه المشاريع باعتبارها حصيلة لحزب بعينه يبقى محل نقاش سياسي، لأن إنجازاتها ترتبط بتدخل عدة مؤسسات وشركاء.
ومن اللافت أيضاً أن اللقاء شهد حضوراً إعلامياً واسعاً، حيث رافقت الحزب وسائل إعلام عديدة، وهو ما يعكس حرصه على إعطاء الحدث زخماً إعلامياً، بالتوازي مع الرغبة في إيصال رسائل سياسية إلى الداخل والخارج الحزبي.
في المحصلة، يمكن قراءة لقاء الداخلة باعتباره بداية فعلية للحملة السياسية غير المعلنة. فبدل أن يكون النقاش موجهاً أساساً إلى تقييم السياسات العمومية وتقديم أجوبة عن انشغالات المواطنين، طغت لغة التنافس الحزبي والرد على الخصوم، بما يعكس أن معركة انتخابات 2026 انطلقت مبكراً، وأن الصراع على استقطاب المنتخبين وكسب المواقع أصبح أحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام مختلف الأحزاب هو إقناع الناخبين بالبرامج والنتائج الملموسة، لأن المنافسة الانتخابية لا تُحسم فقط بالخطابات السياسية أو تبادل الانتقادات، وإنما أيضاً بمدى قدرة كل طرف على تقديم حلول عملية للقضايا التي تشغل المواطنين، خاصة في الجهات التي تراهن على تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
تعليقات الزوار