صوت الصحراء :القسم السياسي
لم تكن المشاهد القادمة من سبتة المحتلة مجرد صور لشباب يركضون نحو البحر أو يتسلقون الحواجز. كانت، في جوهرها، استفتاءً صامتًا على الأمل، ورسالة قاسية مفادها أن جزءًا من الشباب أصبح يرى في المجهول مستقبلًا، وفي المخاطرة بالحياة خيارًا أقل قسوة من البقاء في واقع يعتقد أنه لا يمنحه ما يستحقه من فرص.
لقد اختزلت ساعات قليلة تناقضاتٍ تراكمت عبر سنوات. فمن جهة، كشفت الأحداث أن أمن الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يتحقق دون تعاون المغرب، وأن كل ما راكمته إسبانيا من أسوار وتجهيزات وتقنيات مراقبة لا يغني عن الدور المحوري الذي تضطلع به الرباط في تدبير الهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر. ومن جهة أخرى، وضعت المجتمع المغربي أمام سؤال أكثر إلحاحًا: لماذا أصبح آلاف الشباب مستعدين للمغامرة بأرواحهم من أجل عبور بضعة أمتار تفصلهم عن سبتة؟
لقد أثبتت الوقائع أن سبتة ليست مجرد مدينة تديرها إسبانيا، بل فضاء تحكمه الجغرافيا المغربية قبل أي اعتبار آخر. فهي منفصلة عن أوروبا، ومرتبطة بمحيطها الإفريقي اقتصاديًا وأمنيًا، وتعتمد في استقرارها اليومي على تعاون لا يمكن تعويضه مع المغرب. وهذا يمنح الرباط وزنًا استراتيجيًا لا يقتصر على ملف الهجرة، بل يمتد إلى ملفات الأمن والشراكة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
غير أن امتلاك موقع جيوسياسي مؤثر لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى لا تقل أهمية؛ فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من أوراق قوة خارجية، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على ثقة مواطنيها في المستقبل. فكل شاب اختار البحر لم يكن يحتج على الحدود بقدر ما كان يحتج على واقع يراه عاجزًا عن احتضان طموحه.
ولسنوات طويلة، كانت سبتة بالنسبة لآلاف المغاربة فضاءً للعمل والتجارة وكسب الرزق. كان الناس يعبرون صباحًا ويعودون مساءً، يحملون بضائعهم وأرزاقهم، دون أن تكون المدينة مشروع هجرة أو وطنًا بديلًا. لكن بعد نهاية اقتصاد التهريب المعيشي، وتراجع فرص الشغل، وارتفاع كلفة المعيشة، تغيرت وظيفة الحدود في الوعي الجماعي، وتحولت سبتة من سوق حدودية إلى رمز للهروب، ومن محطة عمل إلى محطة أمل، ولو كان أملًا محفوفًا بالمخاطر.
ولا ينبغي أن تُقرأ هذه الأحداث من زاوية أمنية فقط. فالمقاربة الأمنية ضرورة لحماية الأرواح ومحاربة شبكات التهريب، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة جذور الظاهرة. فالهجرة غير النظامية هي في جانب كبير منها انعكاس لاختلالات اقتصادية واجتماعية وتعليمية، وتفاوتات مجالية، وشعور لدى بعض الشباب بأن فرص النجاح أصبحت أبعد من متناولهم.
إن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة مشاريع كبرى في البنيات التحتية والاستثمار والطاقات المتجددة، وعزز حضوره الإقليمي والدولي، غير أن التحدي الأكبر يظل هو تحويل هذه الإنجازات إلى أثر مباشر يلمسه المواطن في التشغيل، والدخل، وجودة التعليم، والخدمات، والعدالة المجالية. فالتنمية الحقيقية هي التي تجعل الشاب يرى مستقبله في وطنه، لا خلف الأسلاك الشائكة.
أما بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، فقد أكدت الأزمة مرة أخرى أن معالجة الهجرة لا يمكن أن تختزل في بناء المزيد من الأسوار أو تشديد الرقابة، لأن الضفة الجنوبية للمتوسط ليست مجرد خط دفاع، بل فضاء يحتاج إلى شراكات تنموية حقيقية، واستثمارات منتجة، وتعاون يقوم على تقاسم المسؤولية، لا على تصدير الأزمات.
إن الهروب الكبير نحو سبتة لم يكن مجرد حادث عابر، بل إنذار متعدد الرسائل. رسالة إلى أوروبا بأن أمنها يبدأ جنوب المتوسط، ورسالة إلى المغرب بأن حماية الحدود تظل مهمة أساسية، لكن حماية الأمل داخل المجتمع لا تقل أهمية عنها. فحين تصبح سبتة أقرب في مخيلة بعض الشباب من مستقبلهم داخل وطنهم، فإن القضية لم تعد قضية حدود فقط، بل قضية ثقة، وتنمية، وعدالة، وقدرة على تحويل الانتماء إلى الوطن من واجب إلى قناعة، ومن شعور إلى مشروع حياة
تعليقات الزوار