صوت الصحراء
يُحكى أن امرأةً طلّقها زوجها، وبعد أن كانت تعيش في رغدٍ ونعمة، جاءها فصل الصيف، حيث يشتد الحر ويكثر العطش، فاشتاقت إلى اللبن الذي كانت تنعم به في بيت زوجها. ذهبت إليه تطلب العودة بعد أن ضيّعت ما كان بين يديها، فقيل لها: “في الصيف ضيعتِ اللبن”، ليصبح هذا المثل العربي الخالد عنوانًا لكل من يفرط في الفرصة ثم يبحث عنها بعد فوات الأوان.
واليوم، يكاد هذا المثل ينطبق على المشهد الانتخابي الذي يتكرر مع كل استحقاق، حتى أصبح المواطن يحفظ تفاصيله عن ظهر قلب.
فما إن تقترب الانتخابات حتى تُفتح الأبواب التي ظلت موصدة لسنوات، وتزداد الزيارات، وتكثر المصافحات، وتتسع الابتسامات، ويصبح السؤال عن الأحوال عادة يومية، وتعود صلة الرحم بعد طول انقطاع، ويُقبل البعض على عيادة المرضى، ومواساة المحتاجين، وتوزيع الصدقات، وحضور المناسبات الاجتماعية، حتى يخيل للناس أن روح الإحسان لا تزهر إلا في موسم الانتخابات.
وفجأة، يتحول المواطن البسيط إلى محور الاهتمام، وتصبح مطالبه محل إنصات، ويُعامل وكأنه صاحب القرار الأول والأخير، بينما تنشط بعض الصفحات والمنابر الإعلامية في رسم صورة مثالية لبعض المرشحين، فتتحول من ممارسة دورها في النقد والمساءلة إلى منصات للمدح والتمجيد، وتغيب المهنية أمام لغة التطبيل، ويختلط الخبر بالدعاية، والرأي بالإشهار السياسي.
لكن ما إن تُغلق صناديق الاقتراع، وتُعلن النتائج، حتى يبدأ المشهد في الانقلاب تدريجيًا. تُغلق الأبواب التي كانت مشرعة، وتقل الزيارات، وتضعف صلة الرحم شيئًا فشيئًا، ويعود الشح بعد الكرم، وتتراجع الصدقات بعد أن كانت عنوانًا للحملات، بل إن رد السلام نفسه قد يصبح ثقيلًا على بعض من كانوا بالأمس يحرصون على مصافحة الجميع واحتضانهم.
والأدهى من ذلك أن كثيرًا من الوعود التي قُدمت للمواطنين تتحول إلى مجرد شعارات موسمية، تُحفظ في أرشيف الحملات الانتخابية، في حين تبقى مشاكل الناس كما هي: بطالة، وبنية تحتية تحتاج إلى إصلاح، وخدمات تنتظر التحسين، وانتظارات مؤجلة إلى موعد انتخابي جديد.
لقد أصبح بعض المرشحين لا يتذكرون الأحياء الهامشية، ولا الأسر المعوزة، ولا الشباب الباحث عن فرصة، إلا عندما تقترب ساعة الحسم. أما بعد الفوز، فيعود الصمت، ويغيب التواصل، وكأن العلاقة مع المواطن كانت عقدًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء يوم الاقتراع.
ولا يقل خطورة عن ذلك دور بعض الإعلاميين والمدونين الذين يجعلون أقلامهم وعدساتهم رهينة لمصالح انتخابية، فيتحولون إلى أبواق للدعاية، يزينون الواقع، ويصنعون بطولات وهمية، ويغيبون صوت المواطن الذي من المفترض أن يكون محور الرسالة الإعلامية. فالإعلام الحقيقي لا يُقاس بكمية المديح، بل بقدرته على طرح الأسئلة الصعبة، ومراقبة الأداء، ومحاسبة المسؤول، أياً كان موقعه.
إن العمل السياسي الحقيقي لا يُقاس بما يقدمه المرشح في أسابيع الحملة، وإنما بما يقدمه طوال سنوات التكليف. فالخدمة العامة ليست مناسبة موسمية، ولا الكرم سلوكًا انتخابيًا، ولا صلة الرحم وسيلة لحصد الأصوات، بل هي قيم ثابتة ينبغي أن تلازم الإنسان في كل وقت.
ويبقى الرهان دائمًا على وعي الناخب، لأنه وحده القادر على التمييز بين من يعيش مع الناس في أفراحهم وأتراحهم طوال السنوات، وبين من لا يتذكرهم إلا عندما تقترب صناديق الاقتراع. فالمواطن الذي يتعلم من تجاربه لا تنطلي عليه الوجوه المتغيرة ولا الابتسامات الموسمية.
ولعل الرسالة الأبلغ في هذا السياق هي أن ثقة الناس لا تُشترى بالهدايا، ولا تُبنى بالولائم، ولا تُكتسب بالصور والمنشورات، وإنما تُصنع بالصدق، والوفاء بالوعود، والقرب الدائم من المواطن. أما من يجعل الانتخابات موسمًا للكرم، ثم يجعلها بعد الفوز موسمًا للنسيان، فسيبقى المثل العربي يطارده في كل محطة: “في الصيف ضيعتِ اللبن.”
تعليقات الزوار