صوت الصحراء : العيون
في مدينة تشهد تحولات متسارعة على أكثر من مستوى، جاءت زيارة وفد إعلامي وأكاديمي فرنسي إلى قناة العيون الجهوية لتمنح أعضاءه فرصة للاطلاع من الداخل على تجربة إعلامية ارتبطت، منذ انطلاقتها، بمواكبة الحياة اليومية بالأقاليم الجنوبية، ورصد قضاياها الاجتماعية والثقافية والتنموية، والتعبير عن التحولات التي يعرفها المجال وساكنته.
الزيارة، التي جاءت في إطار برنامج أعده معهد الصحافة وعلوم الأخبار بالعيون ضمن انفتاحه على المؤسسات الإعلامية والأكاديمية الدولية، لم تقتصر على جولة داخل مرافق القناة والتعرف على تجهيزاتها، وإنما تحولت إلى مناسبة للتوقف عند طبيعة العمل الصحفي والسمعي البصري في المنطقة، وما يفرضه من رهانات مهنية مرتبطة بسرعة التحولات وتنوع القضايا وتغير طرق استهلاك الجمهور للمعلومة.
ومن داخل فضاءات الإنتاج والاستوديوهات، تابع أعضاء الوفد مختلف مراحل صناعة المادة الإعلامية، من إعداد المواضيع والتحرير إلى التصوير والإخراج والمونتاج والبث، كما تعرفوا على طبيعة البرامج والنشرات التي تنتجها القناة، والمواضيع التي تتناولها، وآليات الاشتغال على القضايا التي تهم المجتمع المحلي.
وأظهر النقاش الذي رافق الزيارة اهتماماً خاصاً بتجربة الإعلام الجهوي، باعتباره إعلاماً يوجد في تماس مباشر مع المجتمع والمجال، ويجد نفسه مطالباً بمتابعة التفاصيل اليومية للحياة المحلية، إلى جانب رصد التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة.
ولعل ما يميز هذه التجربة، وفق ما عكسته الزيارة، هو حضور البعد المحلي في صناعة المحتوى، سواء من خلال المواضيع التي تطرحها القناة أو عبر الكفاءات التي تشتغل داخلها، إذ راكم عدد من الصحفيين والتقنيين المنحدرين من الأقاليم الجنوبية خبرات في التحرير والتقديم والإنتاج والتصوير والإخراج والهندسة السمعية البصرية.
وهذه الكفاءات لا تمثل فقط موارد بشرية داخل مؤسسة إعلامية، بل تعكس أيضاً تطوراً في الخبرة المهنية المحلية، وقدرة أبناء المنطقة على الانخراط في صناعة المحتوى الإعلامي بمختلف مستوياته، من جمع المعطيات وصياغة الأخبار إلى إنتاج الروبورتاجات والبرامج والمضامين متعددة الوسائط.
وخلال الزيارة، برز كذلك التحول الذي شهده المشهد الإعلامي بالأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، في ظل اتساع دائرة المنابر الإعلامية وتعدد المنصات وتزايد حضور الإعلام الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي.
هذا التحول فرض على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في أساليب العمل التقليدية، وأصبح الصحفي مطالباً بالاشتغال في بيئة تتداخل فيها الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية والمحتوى الرقمي، بينما أصبح الجمهور أكثر قدرة على الوصول إلى مصادر متعددة للمعلومة وأكثر سرعة في التفاعل معها.
ومن هنا برزت أهمية النقاش حول مستقبل الإعلام الجهوي وقدرته على الاستفادة من التحول التكنولوجي، ليس فقط لتطوير أدوات الإنتاج، وإنما أيضاً لتجديد طرق تقديم المضامين والوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، خصوصاً الأجيال الشابة التي باتت تتفاعل مع الأخبار عبر الهاتف والمنصات الرقمية.
كما أتاح اللقاء التوقف عند وظيفة أخرى للإعلام الجهوي، تتصل بالتوثيق وحفظ الذاكرة المحلية. فالتغطيات الصحفية والروبورتاجات والبرامج السمعية البصرية لا تكتفي بمواكبة الحدث في لحظته، وإنما تترك وراءها أرشيفاً بصرياً وسمعياً يوثق مراحل من الحياة الاجتماعية والثقافية والتنموية للمنطقة.
وفي هذا الجانب، تبرز أهمية الإعلام في التعريف بالموروث الثقافي المحلي، ومواكبة الفعاليات والمبادرات، وإبراز الطاقات والكفاءات، وإتاحة مساحة للتعبير عن مختلف القضايا التي تشغل المجتمع، بما يجعل المؤسسة الإعلامية جزءاً من الحركية الثقافية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة.
وكان الجانب التكويني حاضراً بدوره في هذه الزيارة، باعتبار أن ربط الطلبة بالمؤسسات الإعلامية يشكل أحد المسارات الأساسية لتطوير التكوين الصحفي. فالمعرفة النظرية، مهما بلغت أهميتها، تظل في حاجة إلى الاحتكاك بالممارسة وفهم طبيعة العمل داخل غرف الأخبار والاستوديوهات وفضاءات الإنتاج.
ومن هذا المنطلق، يراهن معهد الصحافة وعلوم الأخبار بالعيون على الانفتاح على المؤسسات المهنية والتجارب الدولية، بما يتيح للطلبة التعرف على نماذج مختلفة في العمل الصحفي، ومواكبة التحولات التي يعرفها القطاع، واكتساب رؤية أوسع بشأن مستقبل المهنة.
كما تفتح مثل هذه الزيارات المجال أمام تبادل الخبرات في عدد من القضايا التي أصبحت في صلب النقاش الإعلامي الدولي، من بينها الرقمنة، وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، وتغير عادات الجمهور، وتطوير المهارات الصحفية، والتحقق من المعلومات، وتكييف المؤسسات الإعلامية مع التحولات المتسارعة في صناعة الأخبار.
وبالنسبة للوفد الفرنسي، شكلت محطة قناة العيون الجهوية مناسبة للتعرف عن قرب على واقع الإعلام السمعي البصري في الأقاليم الجنوبية، بعيداً عن الصورة النظرية، من خلال الاحتكاك المباشر بالصحفيين والتقنيين والاطلاع على ظروف الإنتاج وطبيعة المضامين التي يتم الاشتغال عليها.
كما سمحت الزيارة بفتح نقاش حول العلاقة بين الإعلام والتحولات التي يعرفها المجتمع، وحول قدرة المؤسسات الإعلامية على مواكبة الدينامية المحلية وإبراز مختلف مظاهرها، في وقت أصبحت فيه وسائل الإعلام مطالبة ليس فقط بنقل الأحداث، وإنما بفهم سياقاتها وتقديمها للجمهور ضمن معالجة مهنية ومتوازنة.
وتندرج هذه المحطة ضمن سياق أوسع للتعاون والتبادل المغربي الفرنسي في مجالات الإعلام والتكوين، حيث يمثل التواصل المباشر بين المؤسسات المهنية والأكاديمية فرصة لتقاسم التجارب وطرح الأسئلة المشتركة التي تواجه الصحافة في زمن التحول الرقمي وتغير أنماط إنتاج واستهلاك الأخبار.
وهكذا، بدت زيارة الوفد الفرنسي إلى قناة العيون الجهوية أكثر من مجرد محطة مهنية عابرة؛ فقد تحولت إلى نافذة للاطلاع على تجربة إعلامية جهوية، وعلى مسار تطور الكفاءات المحلية، وعلى التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي والثقافي بالأقاليم الجنوبية.
وفي الوقت الذي تتغير فيه خريطة الإعلام بفعل التكنولوجيا والمنصات الرقمية، تظل رهانات الإعلام الجهوي مرتبطة بقدرته على الحفاظ على صلته بالمجتمع، وتطوير أدواته، والاستثمار في موارده البشرية، وتحويل التحولات التي يعيشها المجال إلى مادة صحفية قادرة على التوثيق والمواكبة وفتح مساحات للنقاش.
ومن هذه الزاوية، جاءت محطة قناة العيون الجهوية لتقدم للوفد الفرنسي صورة عن تجربة إعلامية محلية تتقاطع فيها الصحافة مع التكوين والتكنولوجيا والثقافة، وتبرز فيها كفاءات محلية تواصل حضورها في صناعة المشهد الإعلامي بالأقاليم الجنوبية وتطوير أدواته ومضامينه.