من خصومة الانتخابات إلى صداقة المشاورات.. السياسة المغربية تدخل مرحلة جديدة

صوت الصحراء
بعد أسابيع من الحملات الانتخابية التي شهدت سجالات سياسية وتبادلًا للاتهامات بين عدد من الأحزاب والقيادات، انتقل المشهد السياسي المغربي، مباشرة بعد إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر، إلى مرحلة جديدة عنوانها الحوار والتشاور بشأن تركيبة الحكومة المقبلة.

ولعل اللقاء الذي جمع، اليوم الأربعاء، رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري بوفد عن حزب التجمع الوطني للأحرار، بقيادة محمد شوكي، يقدم صورة واضحة عن هذا التحول؛ فالأطراف التي كانت خلال الحملة الانتخابية تتواجه سياسيًا وإعلاميًا، أصبحت اليوم تجلس إلى الطاولة نفسها لمناقشة مستقبل الحكومة والمرحلة المقبلة.

محمد شوكي وصف اللقاء بأنه اتسم بالوضوح والصراحة، مؤكدًا أن النقاش تناول التحديات المستقبلية التي تواجه البلاد، وأن مساهمة التجمع الوطني للأحرار في المرحلة المقبلة ستستحضر، بحسب تعبيره، المصلحة العليا للوطن.

وفي المقابل، حملت بداية المشاورات رسالة سياسية لافتة، مفادها أن المنافسة الانتخابية شيء، وتدبير المرحلة المؤسساتية بعد ظهور النتائج شيء آخر. فالحسابات الانتخابية تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج، بينما تفرض المرحلة السياسية الجديدة البحث عن صيغ للتعاون والتنسيق، سواء داخل الأغلبية أو خارجها.

وهنا تستعيد “صوت الصحراء” ما سبق أن أشارت إليه خلال مرحلة ما بعد الحملة الانتخابية: السياسة لا ينبغي أن تجعل الخلافات الانتخابية دائمة، لأن الذين كانوا يتبادلون الاتهامات بالأمس يمكن أن يصبحوا اليوم إخوة وأصدقاء حول طاولة واحدة، عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة وتدبير الشأن الوطني.

وليس المقصود بذلك محو الاختلافات أو إسقاط التنافس السياسي، وإنما التمييز بين المنافسة المشروعة وبين العلاقات التي تفرضها المؤسسات والعمل الحكومي. فالتحالفات السياسية بطبيعتها قابلة للتغير، وكذلك مواقف الأحزاب وفقًا للنتائج والاستحقاقات والبرامج المطروحة.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه حزب الأصالة والمعاصرة انفتاحه على مختلف الأطياف السياسية، مع التعبير عن رغبته في تشكيل أغلبية حكومية منسجمة، بينما لا تزال مواقف بعض الأحزاب من المشاركة في الحكومة قيد التداول داخل أجهزتها التقريرية.

وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة، بالنظر إلى أن نتائج الانتخابات أفرزت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدًا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدًا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدًا، وفق المعطيات المنشورة حول النتائج.

وبذلك، فإن المشهد السياسي بعد الانتخابات يعكس انتقالًا من منطق المنافسة إلى منطق التفاوض حول المرحلة المقبلة. وقد يكون أبرز ما تكشفه هذه المرحلة أن الخطاب السياسي لا يبقى ثابتًا بالضرورة؛ فما يُقال خلال الحملة الانتخابية يرتبط بسياق المنافسة، بينما تفرض مرحلة تشكيل الحكومة لغة أخرى تقوم على الحوار والتنسيق والبحث عن أرضيات مشتركة.

ومن المنتظر أن تتواصل المشاورات مع باقي الأحزاب، في أفق تحديد طبيعة الأغلبية الحكومية المقبلة وبرنامجها وتركيبتها، وهي عملية ستكشف خلال الأيام المقبلة مدى قدرة مختلف المكونات السياسية على تحويل نتائج الانتخابات إلى توافقات مؤسساتية قابلة للعمل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد