تعديلات المسودة الأمريكية بشأن الصحراء تعيد مبدأ تقرير المصير وتُسقط الجدول الزمني لإنهاء مهام المينورسو

صوت الصحراء

كشفت تقارير إعلامية دولية عن تعديلات أدخلتها الولايات المتحدة الأمريكية على مشروع القرار المتعلق بالصحراء، المعروض على أعضاء مجلس الأمن الدولي، في خطوة تعكس استمرار المشاورات بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، وحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به خلال المرحلة المقبلة.

وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”، والمنصة الفرنسية “Le Desk”، ووكالة “Agenzia Nova” الإيطالية، فإن واشنطن أجرت تغييرات مهمة مست الجوانب العسكرية والسياسية والقانونية للمشروع، مع الإبقاء على مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات.

وتبرز أهمية هذه التعديلات في كونها لا تتعلق فقط بتحسين الصياغة، وإنما تشمل مقتضيات كانت ستؤدي، وفق النسخة الأولى، إلى إنهاء المكون العسكري للمينورسو في موعد محدد، وتقليص عدد أفرادها النظاميين بنسبة لا تقل عن 50 في المائة، قبل أن تتراجع النسخة الجديدة عن هذه الترتيبات بصيغتها السابقة.

ففي النسخة الأولية المؤرخة في 20 أكتوبر الجاري، اقترحت الولايات المتحدة إنهاء مهام حفظ السلام للمينورسو في 30 أبريل 2027، والانتقال ابتداءً من فاتح ماي إلى بعثة سياسية خاصة تستمر حتى 31 أكتوبر من السنة نفسها. كما تضمنت الصيغة الأولى إلزاماً بتقليص عدد الأفراد النظاميين بنسبة لا تقل عن النصف قبل نهاية يناير 2027.

غير أن النسخة المعدلة، التي تداولها أعضاء مجلس الأمن في 26 أكتوبر، تخلت عن تحديد موعد مسبق لإنهاء المكون العسكري، وأبقت على تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع استمرار التوجه نحو تغيير اسمها ابتداءً من فاتح نونبر 2026.

وأفادت “Le Desk” و”Agenzia Nova” بأن هذه التغييرات تعني التخلي عن الجدول الزمني الصارم الذي تضمنته النسخة الأولى، دون التخلي بالضرورة عن مشروع إعادة تنظيم البعثة. وبذلك، انتقل النقاش من تحديد موعد لإنهاء مهام حفظ السلام وتقليص الأفراد إلى ترك مساحة أوسع لتحديد مستقبل البعثة خلال المرحلة المقبلة.

ومن أبرز التعديلات التي أثارت الانتباه إعادة إدراج الإشارة إلى مبدأ تقرير المصير في الصيغة الجديدة، بعد أن ركزت النسخة الأولى بصورة أكثر صراحة على اعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “الحل الوحيد القابل للتطبيق” والأساس الوحيد للمفاوضات المستقبلية.

ويكشف هذا التعديل عن تباين مهم بين الصياغتين؛ فبينما تسعى واشنطن إلى الإبقاء على الحكم الذاتي المغربي مرجعية مركزية للمفاوضات، تعيد في الوقت نفسه إدراج مفهوم تقرير المصير، الذي ظل حاضراً في المرجعيات الأممية المرتبطة بالنزاع.

ويطرح الجمع بين المقتضيين سؤالاً أساسياً حول كيفية ترجمة مبدأ تقرير المصير إلى آلية عملية ضمن تسوية يكون الحكم الذاتي أساسها الوحيد. فإعادة إدراج المصطلح لا تحسم، في حد ذاتها، طبيعة الوسيلة التي سيُعبّر بها السكان المعنيون عن موقفهم من أي اتفاق نهائي، ولا توضح وحدها الضمانات التي ستؤطر تنفيذ ذلك الاتفاق.

وفي هذا السياق، أشارت “Agenzia Nova” إلى أن النسخة المعدلة لم تحدد بصورة واضحة الكيفية التي سيعبّر بها الصحراويون عن موقفهم من التسوية النهائية، كما لم تفصل الضمانات المؤسساتية المرتبطة بنظام الحكم الذاتي المقترح.

وعلى الرغم من التراجع عن بعض المقتضيات العسكرية الواردة في النسخة الأولى، احتفظ المشروع المعدل بمقترح تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية إلى “بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية”، وهو تغيير يرمي إلى حذف الإشارة إلى الاستفتاء من التسمية الرسمية للبعثة.

ويكتسي هذا التغيير أهمية سياسية ورمزية، بالنظر إلى أن اسم المينورسو ارتبط منذ إنشائها سنة 1991 بمسار التسوية الأممية الذي تضمن تنظيم استفتاء لتحديد الوضع النهائي للإقليم، وهو المسار الذي لم يُنفذ.

لكن حذف كلمة الاستفتاء من اسم البعثة لا يعني، في حد ذاته، أن جميع المرجعيات القانونية والسياسية المرتبطة بتقرير المصير قد أُلغيت، خصوصاً مع إعادة إدراج هذا المبدأ في النسخة المعدلة من المشروع. وهنا يظهر أحد أبرز أوجه التباين في النص، إذ يجري تغيير التسمية بما يعكس توجهاً جديداً للمهمة، مقابل الإبقاء على مرجعية سياسية أممية تقتضي تحديد كيفية ممارسة تقرير المصير ضمن أي تسوية مقبلة.

وتشير المعطيات المنشورة بشأن النسخة المعدلة إلى استمرار الدعوة إلى إشراك ممثلين عن مختلف مكونات السكان الصحراويين في المشاورات، بمن فيهم سكان الإقليم واللاجئون وأفراد الجالية في الخارج.

كما احتفظ المشروع بالدعوة إلى استكمال تسجيل السكان في مخيمات تندوف خلال ستة أشهر، وفقاً للقواعد المعمول بها لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والقانون الدولي، مع تعزيز الإشارة إلى دور المفوضية في تنفيذ حلول طوعية ودائمة للاجئين.

وتبرز هذه المقتضيات أن الملف الإنساني لا يزال حاضراً في النقاش، إلى جانب إعادة ترتيب مهام البعثة وتحديد المرجعية السياسية للتسوية. غير أن الدعوة إلى إشراك مختلف المكونات السكانية تظل بحاجة إلى توضيح آليات المشاركة والضمانات التي تكفل أن يكون التعبير عن المواقف جزءاً فعلياً من أي اتفاق نهائي.

وتظهر المقارنة بين النسختين أن الولايات المتحدة تراجعت عن بعض المقتضيات التنفيذية الأكثر صرامة، ولا سيما تحديد موعد إنهاء المكون العسكري وتقليص الأفراد بنسبة محددة، كما خففت صياغة بعض المقتضيات السياسية وأعادت الإشارة إلى تقرير المصير. وفي المقابل، أبقت على العناصر الأساسية المرتبطة بتغيير اسم البعثة، ووضع مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية في صدارة المفاوضات، واستمرار البحث عن صيغة جديدة لتنظيم عمل المينورسو.

ولا يمكن الجزم، استناداً إلى النصوص الإعلامية المنشورة وحدها، بأن هذه التعديلات جاءت نتيجة اعتراض دولة بعينها أو استجابة لمطلب محدد، ما لم تتوافر وثائق أو تصريحات رسمية تؤكد ذلك. لكنها تشير إلى أن الصياغة الأولى لم تستقر بصورتها الأصلية، وأن المفاوضات داخل مجلس الأمن فرضت إعادة النظر في بعض جوانبها.

وتبقى المسألة الأساسية مرتبطة بما إذا كانت الصيغة النهائية ستتمكن من الجمع بين المرجعية السياسية التي تدفع بها واشنطن، ومبدأ تقرير المصير، والضمانات المطلوبة لأي تسوية، فضلاً عن تحديد مستقبل المينورسو ومهامها العسكرية والسياسية.

ومن المنتظر أن تتضح الصورة النهائية مع انتهاء المشاورات والتصويت على مشروع القرار، إذ تظل جميع الصيغ المتداولة قبل اعتماد المجلس القرار مشاريع قابلة للتعديل، ولا تكتسب أحكامها صفة القرار الأممي إلا بعد المصادقة الرسمية عليها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد