ميناء الربط.. ورش إصلاحي معلق ينتظر الإرادة لتنزيله في الصيد الساحلي بالجر

صوت الصحراء
تواجه المصايد الساحلية بالمملكة المغربية اليوم ضغوطات غير مسبوقة، نتيجة تفاقم الاستغلال المفرط للموارد البحرية وتغير أنماط نشاط أساطيل الصيد، وهو ما يفرض التعجيل بإطلاق ورش “التنطيق” أو تقسيم مناطق الصيد، خاصة بالنسبة للصيد الساحلي بالجر، باعتباره ركيزة أساسية لأي مشروع إصلاحي يهدف إلى استدامة الثروة البحرية.

ورغم الجهود السابقة التي بذلتها إدارة الصيد البحري، عبر سلسلة من اللقاءات التشاورية مع ربابنة مراكب الجر، ظل هذا الورش معلقًا، في وقت تتصاعد فيه تساؤلات المهنيين والفاعلين حول أسباب التباطؤ، سواء على مستوى الغرف المهنية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي المغلقة.

لقد سبق أن أطلقت وزارة الصيد مشروعا أوليا لتنطيق نشاط الصيد الساحلي بالجر، مستندة إلى تحليل علمي لحركة السفن ومجالات نشاطها حسب الموانئ، بهدف تقليص التحركات الموسمية للوحدات البحرية وتثبيتها في مصايدها الأصلية، انسجامًا مع القدرات البيولوجية المحلية، وهو توجه يتماشى مع توصيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، التي تدعو إلى “الإدارة المجالية” لأنشطة الصيد، وتشدد على أن “التنطيق الجغرافي” يعتبر أداة ضرورية للحد من الضغط على البيئات الحرجة وضمان الاستغلال المستدام للموارد البحرية.

وتنص مبادئ الفاو على أهمية اعتماد تقسيم واضح لمناطق الصيد وفق خصوصيات كل بيئة بحرية، مع تحديد الحدود البحرية، وتنظيم الوصول إلى المصايد بناءً على القدرة الاستيعابية للنظم البيئية المحلية، بهدف تفادي الإفراط في الصيد وضمان فرص تعافي المخزونات.

ويهدف مشروع التنطيق المغربي إلى تقسيم الساحل الوطني إلى ست مناطق صيد متخصصة، مع مراجعة المسافات القانونية المسموح بها لممارسة نشاط الصيد، في أفق إعادة توزيع جهد الصيد بشكل عادل ومتوازن، بما يحافظ على المخزونات القاعية ويحمي مناطق الحضانة من التدهور، خاصة في الشريط الساحلي الحساس بيولوجيًا.

وتؤكد “الفاو” في إرشاداتها حول “الصيد الرشيد” أن “التقسيم المجالي للمصايد” يجب أن يرافقه وضع خطط تهيئة مبنية على أسس علمية، مع إشراك الفاعلين المهنيين في عملية التخطيط، وتبني مقاربة احترازية تقوم على حماية المواطن البيئية الأساسية مثل مناطق التفريخ والتغذية.

ووفق التصور المغربي، يمتد المشروع إلى إعادة النظر في المسافات القانونية للصيد، حيث يقترح رفعها في الأطلسي من 3 إلى 6 أميال بحرية، مع تحديد مسافات أدنى أكثر صرامة في الساحل المتوسطي، وفقًا للخصائص الجيومورفولوجية لكل منطقة، وهو إجراء من شأنه تقليص الضغط على المصايد الساحلية، وتحسين فرص تعافي الأنواع المستغلة.

ورغم أهمية هذا الورش الإصلاحي، ظل تنزيله رهين حسابات وتأجيلات غامضة، ما يهدد بفقدان مكاسب ثمينة في وقت تحتاج فيه المصايد الوطنية إلى قرارات شجاعة وسريعة، خصوصًا أن الاستغلال المفرط يزداد تفاقمًا، مما يعمق من أزمة الموارد البحرية، ويدفع بالقطاع إلى أفق غير مضمون.

وكان اجتماع لجنة تتبع مصيدة الأخطبوط في دجنبر الماضي قد تطرق بشكل صريح إلى ضرورة التسريع بتطبيق التنطيق، إلى جانب مراجعة وسائل الصيد وتحديد تخصصات المراكب، إلا أن مخرجات هذا الاجتماع لم تتحول بعد إلى قرارات تنفيذية، الأمر الذي يزيد من المخاوف لدى مختلف الأطراف المهنية.

ومع تصاعد الضغط على المصايد من طنجة إلى الداخلة، تزداد الحاجة إلى رؤية جديدة، تتبنى بوضوح مبادئ “الإدارة المستندة إلى النظام البيئي”، كما توصي بذلك “الفاو”، والتي تقوم على توزيع الجهود بطريقة مستدامة، حماية المناطق الحرجة، وإعطاء أولوية قصوى لتدابير الاحتراز البيئي لضمان استمرارية الإنتاج البحري.

ومما يبعث على القلق أن استمرار الوضع الحالي بدون تنزيل فعلي لورش التنطيق يهدد بمفاقمة تدهور المخزونات البحرية، ويعرض البيئات الحساسة لضغوط يصعب عكس آثارها لاحقًا. فالإفراط في التحركات العشوائية للوحدات البحرية دون تقنين مجالي، من شأنه أن يقوض فرص التجدد الطبيعي للأنواع المستغلة، ويدفع القطاع إلى أزمات إنتاجية خانقة، لا تنحصر فقط في تراجع المردودية الاقتصادية، بل تمتد إلى تهديد الأمن الغذائي، وضرب استقرار آلاف الأسر التي تعيش على أنشطة الصيد الساحلي. وهي مخاطر طالما حذرت منها منظمة الفاو، داعية الدول إلى اعتماد تدابير استباقية قبل أن تصل المصايد إلى نقطة اللاعودة.

وفي ظل هذا المشهد المتعثر، تتجه الأنظار اليوم إلى كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري زكية دريوش، المعروفة بلقب “المرأة الحديدية”، و”بنت الدار”، و”العلبة السوداء”، لما تحظى به من تقدير واسع في أوساط القطاع، ولما تمتلكه من خبرة راسخة في تدبير الملفات الكبرى. الكل اليوم يعول على إرادتها القوية لتحريك هذا الورش الإصلاحي الاستراتيجي بعيدًا عن الحسابات الظرفية والمصالح الضيقة.

إن ورش التنطيق لا ينبغي أن يبقى رهين الانتظار، بل يجب أن يشكل مدخلاً رئيسيًا نحو إصلاح شمولي للقطاع، عبر:

اعتماد مخططات تهيئة مصايد قائمة على أسس علمية دقيقة.

تعزيز مشاركة الفاعلين المهنيين في اتخاذ القرار، وفق ما توصي به الفاو.

إقرار تدابير صارمة لضبط مسافات الصيد ومراقبة الالتزام بالتنطيق.

إطلاق حملات تحسيسية واسعة حول أهمية الالتزام بالتقسيم المجالي للصيد.

إرساء نظام تتبع ومراقبة فعّال لحركة الأساطيل لضمان احترام قواعد التنطيق.

ولا يخفى أن مصير المصايد المغربية في السنوات المقبلة سيتوقف بشكل كبير على قدرة السلطات والمهنيين على إطلاق هذا الورش الاستراتيجي وتفعيله بروح تشاركية ومسؤولة، بما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية في حماية التنوع البيولوجي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المرتبطة بالموارد البحرية.

لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل الحاسم، حتى لا تتحول المصايد الساحلية من مصدر للثروة والتنمية إلى عنوان للأزمة والندرة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد