صوت الصحراء
في الصحافة، لا تُقاس قيمة التجربة بعدد المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا بما تثيره الأسماء من نقاشات عابرة، وإنما بما تتركه من أعمال مكتوبة، وتحقيقات، وريبورتاجات، ومواقف مهنية قابلة للقراءة والنقد والمراجعة.
ومن هذه الزاوية، يبدو الجدل الحالي حول الصحافي والنقابي أخشيشن أكبر من مجرد سجال عابر بين أشخاص أو اختلاف في المواقف.
فالرجل الذي أصبح اسمه خلال الأيام الأخيرة موضوعاً لانتقادات وهجمات على مواقع التواصل الاجتماعي، راكم على مدى سنوات مساراً مهنياً داخل الصحافة المغربية، تنقل خلاله بين الخبر والتحقيق والريبورتاج والبورتريه، وتولى مسؤوليات تحريرية في أقسام ذات حضور أساسي داخل الصحافة المكتوبة.
ولعل من أبرز المحطات التي ارتبط بها اسمه تحقيقه حول لغز حقل تالسينت، في فترة كانت فيها قضية النفط والغاز المفترض اكتشافهما في المنطقة تحظى باهتمام واسع، وتحولت إلى موضوع للنقاش العام. التحقيق أثار في حينه نقاشاً وانتقادات، كما أن تطورات الملف لاحقاً أعادت إلى الواجهة عدداً من الأسئلة التي كانت مطروحة حول حقيقة ما جرى في ذلك الحقل.
وبصرف النظر عن تقييم ذلك التحقيق، فإن أهمية هذه التجربة تكمن في طبيعة العمل نفسه: البحث عن المعلومة، محاولة الوصول إلى المعطيات، تركيبها، ثم نشرها أمام الرأي العام، وهي الوظيفة التي يفترض أن تميز الصحافة الاستقصائية عن مجرد نقل الأخبار.
وتحضر أيضاً مرحلة توليه مسؤولية قسم المجتمع في صحيفة الأحداث المغربية، في زمن كانت فيه الصحافة الورقية لاعباً رئيسياً في صناعة النقاش العمومي، وكانت صفحات الجرائد تُبنى يومياً وسط منافسة قوية على الخبر والسبق والملفات.
كما ترك أخشيشن بصمته في مجال البورتريه، ومن بين النصوص التي ارتبطت باسمه بورتريه “محمد السادس: محامي إفريقيا”، إلى جانب كتابات أخرى تناولت السياسة الإفريقية للمغرب والتحولات التي عرفتها خلال مرحلة مهمة من تاريخ العلاقات المغربية الإفريقية.
ولم يكن حضوره مقتصراً على الجرائد، بل شارك أيضاً في برامج ولقاءات تلفزيونية تناولت قضايا سياسية وإعلامية، ما جعله حاضراً في أكثر من فضاء من فضاءات النقاش العمومي.
لكن ماذا يحدث عندما يتحول الصحافي من كاتب للأخبار إلى موضوع للخبر؟
هنا تبدأ المفارقة.
فالصحافي الذي أمضى سنوات في مساءلة المسؤولين والشخصيات العمومية، يجد نفسه في مرحلة من مساره تحت مجهر الآخرين، يخضع بدوره للأسئلة والانتقادات والتأويلات.
وهذا في حد ذاته ليس مشكلة؛ فالصحافي، مثل أي شخصية حاضرة في المجال العام، يظل من حق الآخرين نقد مواقفه وأعماله، كما يظل من حقه الرد والدفاع عن نفسه.
المشكلة تبدأ عندما ينتقل الخلاف من نقد العمل الصحفي أو النقابي إلى استهداف الشخص، أو عندما تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاء لإطلاق الاتهامات دون وثائق، أو عندما يصبح التشهير بديلاً عن النقاش المهني.
وفي خضم هذا السجال، اختار أحد زملائه الرد على ما يعتبره حملة تستهدف أخشيشن بعبارة شديدة اللهجة: “يرعبكم يا جبناء”.
وقد تكون العبارة تعبيراً عن موقف شخصي من الحملة، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التوتر الذي أصبحت تعرفه بعض النقاشات داخل الوسط الإعلامي.
والسؤال هنا ليس فقط: من يهاجم أخشيشن؟ ومن يدافع عنه؟
السؤال الأهم هو: هل ما يجري نقاش مهني حقيقي، أم أن الصحافة المغربية أصبحت تدفع أحياناً ثمن انتقال خلافاتها من المؤسسات المهنية إلى منصات التواصل الاجتماعي؟
فالاختلاف داخل الجسم الصحفي أمر طبيعي، بل ضروري. والنقد المهني لا ينبغي أن يُخيف أحداً، كما أن الصحافي المهني لا ينبغي أن يعتبر نفسه فوق المساءلة.
لكن في المقابل، فإن المساءلة لا تعني التشهير، والاختلاف لا يعني إسقاط الخصم، والنقد لا يحتاج إلى اختلاق الوقائع أو إطلاق الأحكام دون أدلة.
ثم إن أخشيشن لا يمكن اختزاله في موقف واحد أو منشور واحد أو معركة رقمية واحدة.
هناك سنوات من العمل الصحفي يمكن الرجوع إليها، وأرشيف يمكن قراءته، ونصوص يمكن مناقشة مضامينها، وتحقيقات يمكن تقييم منهجيتها، ومواقف نقابية يمكن الاختلاف معها أو الاتفاق عليها.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي تجربة صحفية.
فالأرشيف لا يجامل أحداً.
ما كتب بالأمس يمكن أن يُقرأ اليوم، وما اعتبره صاحبه موقفاً مهنياً يمكن للقراء والمهنيين أن يعيدوا تقييمه، سواء اتفقوا معه أو اختلفوا.
ولذلك، فإن أفضل رد على حملات التشهير ـ إن ثبت تجاوزها لحدود النقد ـ ليس بالضرورة حملة مضادة، وإنما العودة إلى الوقائع والوثائق والأعمال المنشورة.
وفي المقابل، فإن أفضل دفاع عن أي صحافي ليس رفعه فوق النقد، وإنما إخضاع تجربته نفسها للنقاش، بما لها وما عليها.
أما النقابة، باعتبارها جزءاً من المشهد، فإن حضور الصحافي في العمل النقابي يفتح باباً آخر للنقاش، لأن العمل النقابي بطبيعته يضع صاحبه في مواجهة مواقف وصراعات واختلافات، وقد يجعل الشخص أكثر عرضة للانتقاد، لكنه لا يلغي حقه في الدفاع عن استقلالية المهنة وكرامة الصحافي.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر في ثوانٍ، أصبح التحدي أكبر: كيف يمكن للصحافي أن يحافظ على مصداقيته؟ وكيف يمكن للجمهور أن يميز بين النقد والمعلومة، وبين الرأي والاتهام، وبين المساءلة والتشهير؟
ربما لهذا السبب، فإن الجدل الحالي حول أخشيشن يتجاوز شخصه في بعض جوانبه، ويطرح سؤالاً حول مستقبل النقاش داخل الوسط الصحفي المغربي.
هل نريد صحافة تختلف وتتحاور وتنتقد نفسها داخل المؤسسات والأطر المهنية؟ أم صحافة تنتقل خلافاتها بسرعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقائق بالانطباعات، وتصبح سرعة الانتشار أحياناً أهم من دقة المعلومة؟
في النهاية، قد تنتهي الحملة، وقد تتغير المواقف، وقد يختفي الكثير مما ينشر اليوم من صفحات التواصل الاجتماعي.
لكن التحقيقات ستبقى في الأرشيف، والريبورتاجات ستبقى، والبورتريهات ستبقى، والكتب والمقالات والمواقف ستظل قابلة للقراءة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح ليس فقط: لماذا يثير أخشيشن كل هذا الجدل؟
بل أيضاً:
ماذا قدم للصحافة؟ أين أصاب؟ أين أخطأ؟ وما الذي يمكن أن تقوله سنوات عمله المهني بعيداً عن ضجيج الحملات؟
هناك، في الأرشيف والعمل المنشور والوقائع الموثقة، يبدأ التقييم الحقيقي.
أما ما عدا ذلك، فقد يكون مجرد ضجيج سرعان ما يطويه الزمن.