الحملة الانتخابية قبل أوانها بالمغرب.. ماذا يقول القانون ومن يراقب السباق الانتخابي؟

بقلم عبد الودود الطراف

من منشورات فيسبوك إلى الإعلانات الممولة.. أين ينتهي التواصل السياسي ويبدأ خرق قواعد المنافسة الانتخابية؟

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، يتصاعد النقاش حول ما يعرف إعلامياً بـ”الحملة الانتخابية السابقة لأوانها”، خصوصاً مع انتقال جزء كبير من التنافس السياسي من الساحات واللقاءات المباشرة إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

صور المرشحين، فيديوهات اللقاءات مع المواطنين، الحديث عن “الإنجازات”، الشعارات السياسية، الإعلانات الممولة والمنشورات التي تستهدف سكان دوائر انتخابية بعينها، كلها أصبحت جزءاً من المشهد السياسي قبل انطلاق الحملة الرسمية.

لكن السؤال القانوني يبقى واضحاً:

متى يكون النشاط السياسي مجرد تواصل مشروع، ومتى يمكن أن يتحول إلى دعاية انتخابية تخضع للقواعد الزجرية؟

10 شتنبر.. موعد انطلاق الحملة الرسمية

ينص المادة 31 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب على أن الفترة المخصصة للحملة الانتخابية تبدأ في الساعة الأولى من اليوم الثالث عشر الذي يسبق تاريخ الاقتراع، وتنتهي في منتصف ليلة اليوم السابق للاقتراع.

وبالنسبة للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، فإن الحملة الانتخابية الرسمية تمتد من 10 إلى 22 شتنبر 2026.

وتؤكد الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، في قرارها الخاص بالانتخابات التشريعية لسنة 2026، أن الفترة الانتخابية في وسائل الاتصال السمعي البصري تمتد من 15 غشت إلى 22 شتنبر، وتتضمن فترة ما قبل الحملة الرسمية من 15 غشت إلى 9 شتنبر، ثم فترة الحملة الرسمية من 10 إلى 22 شتنبر.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: وجود فترة إعلامية قبل الحملة الرسمية في قرار الهاكا، وبين وجود حظر عام ومطلق على كل نشاط سياسي قبل 10 شتنبر. فليس كل نشاط سياسي سابق لهذا التاريخ مخالفة انتخابية تلقائياً.

ماذا يمنع القانون تحديداً؟

المادة 31 تحدد الفترة القانونية للحملة، بينما تنظم مواد أخرى الإعلانات والوسائل المستعملة أثناء الحملة، وتقرر عقوبات على مخالفات محددة.

فالمادة 32، مثلاً، تضع قواعد للإعلانات الانتخابية، ويترتب عن مخالفة هذه القواعد، وفق المادة 40، غرامة من 10 آلاف إلى 50 ألف درهم، دون الإخلال بالعقوبات الجنائية الأشد عند الاقتضاء.

كما تنص المادة 42 على غرامة من 10 آلاف إلى 50 ألف درهم بالنسبة للقيام بإعلانات انتخابية للوائح أو مترشحين غير مسجلين أو توزيع برامجهم أو منشوراتهم، مع عقوبة أشد عندما يكون مرتكب المخالفة موظفاً عمومياً أو مأموراً من مأموري الإدارة أو الجماعات الترابية.

لكن هذه المقتضيات لا تعني أن كل منشور سياسي ينشر قبل 10 شتنبر يعاقب تلقائياً بهذه العقوبات.

المعيار هو الفعل المحدد والنص القانوني الذي تنطبق عليه شروطه.

هل مجرد نشر صورة المرشح مخالفة؟

ليس بالضرورة.

فالصورة وحدها، أو تصريح سياسي، أو لقاء مع المواطنين، لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخالفة انتخابية.

لكن الوضع يصبح مختلفاً إذا كان النشاط يأخذ طابعاً انتخابياً واضحاً، مثل الترويج لمترشح أو لائحة، أو تقديم برنامج انتخابي، أو استعمال وسائل دعائية موجهة للتأثير في اختيار الناخبين.

ولهذا فإن التكييف القانوني يجب أن ينظر إلى مضمون المنشور وسياقه والغرض منه والوسيلة المستعملة والصفة القانونية للشخص أو الجهة التي تقف وراءه.

فيسبوك وتيك توك.. الجبهة الجديدة

التحدي الأكبر في انتخابات 2026 هو أن جزءاً مهماً من النشاط السياسي أصبح رقمياً.

ففي السابق كان من السهل نسبياً رصد ملصق انتخابي في شارع أو تجمع انتخابي في قاعة.

أما اليوم، فقد يستطيع مرشح أن يطلق حملة رقمية كاملة من هاتفه:

– فيديوهات يومية؛
– صور مع المواطنين؛
– شعارات انتخابية؛
– إعلانات ممولة؛
– استهداف جغرافي لسكان دائرة انتخابية؛
– محتويات يعاد نشرها من طرف صفحات ومؤثرين.

وهنا تبرز معضلة الإثبات: هل نحن أمام تواصل سياسي أم أمام حملة انتخابية مقنّعة؟

المال الرقمي.. سؤال آخر للرقابة

الإعلانات الممولة تضيف بعداً آخر إلى القضية.

فالمسألة لا تتعلق فقط بتاريخ نشر المحتوى، بل أيضاً بمصدر تمويله وتكلفته وما إذا كان يدخل ضمن المصاريف الانتخابية التي تخضع للمراقبة.

وقد خصص الإطار التنظيمي لسنة 2026 اهتماماً للوسائل الرقمية، بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات والتطبيقات وأدوات الذكاء الاصطناعي، ضمن الوسائل المرتبطة بالحملة والمصاريف الانتخابية.

وبذلك يمكن أن تتحول منشورات بسيطة ظاهرياً إلى موضوع للمساءلة إذا ثبت أنها جزء من نشاط انتخابي ممول يخضع للقواعد القانونية المتعلقة بالحملة والإنفاق.

الذكاء الاصطناعي يدخل المعركة الانتخابية

المشرع المغربي ذهب أبعد من مجرد تنظيم الإعلانات الرقمية.

فالقانون التنظيمي رقم 53.25، الذي غيّر وتمم القانون التنظيمي رقم 27.11، أضاف مقتضيات جديدة مرتبطة بالمحتويات الكاذبة أو المزيفة.

وتنص المادة 51 المكررة على عقوبة الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 ألفاً إلى 100 ألف درهم في حالات محددة، من بينها بث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته دون موافقته، أو نشر أخبار زائفة أو ادعاءات أو وقائع كاذبة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها بقصد المساس بالحياة الخاصة لناخبين أو مترشحين أو التشهير بهم، بأي وسيلة، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية.

كما أن المحكمة الدستورية أقرت دستورية القانون التنظيمي رقم 53.25، معتبرة أن هذه المقتضيات تستند إلى غاية مشروعة وتتوافر فيها شروط الضرورة والتناسب في تحديد الجرائم والجزاءات.

وهذا يعني أن الانتخابات المقبلة ستكون أيضاً اختباراً لقدرة القانون على مواجهة المحتوى الاصطناعي والتضليل الرقمي.

الهاكا تراقب الإعلام السمعي البصري

في المجال السمعي البصري، توجد جهة مؤسساتية مختصة هي الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.

وقد وضعت الهيئة بالنسبة لانتخابات 2026 إطاراً خاصاً للتعددية السياسية في وسائل الإعلام السمعية البصرية، يمتد على 39 يوماً، من 15 غشت إلى 22 شتنبر، مع تمييز واضح بين مرحلة ما قبل الحملة ومرحلة الحملة الرسمية.

كما أقرت قواعد خاصة بالمضامين الانتخابية المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، ومنعت بث مضامين انتخابية مزيفة أو مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي متى كان من شأنها تضليل الجمهور أو المساس بنزاهة النقاش الديمقراطي.

والأفراد أنفسهم يمكنهم، في المجال الذي يدخل ضمن اختصاص الهيئة، تقديم شكايات بشأن خروقات متعهدي الاتصال السمعي البصري، وفق المسطرة المحددة لذلك.

ماذا يفعل المواطن إذا رصد شبهة حملة سابقة لأوانها؟

إذا رصد مواطن ما يعتقد أنه نشاط انتخابي مخالف، فمن الأفضل ألا يكتفي بمنشور على مواقع التواصل يتهم فيه المرشح بالمخالفة.

الأفضل هو توثيق الواقعة أولاً.

ويشمل ذلك:

1. أخذ لقطات شاشة واضحة للمحتوى.
2. الاحتفاظ بالرابط الإلكتروني للمنشور.
3. تسجيل تاريخ وساعة النشر.
4. حفظ الفيديو أو المنشور إن أمكن بطريقة تضمن إمكانية الرجوع إليه.
5. توثيق أي إعلان ممول وبياناته الظاهرة.
6. تحديد اسم الصفحة أو الحساب والجهة التي تقف وراءه.
7. وصف الفعل بدقة، بدلاً من الاكتفاء بعبارة “حملة سابقة لأوانها”.

بعد ذلك، وبحسب طبيعة الواقعة، يمكن توجيه الشكاية إلى السلطات المختصة أو النيابة العامة عندما يتعلق الأمر بشبهة جريمة، أو إلى الجهة التنظيمية المختصة عندما يكون الخرق متعلقاً بوسيلة إعلامية سمعية بصرية.

أما المنازعات المتعلقة بصحة الانتخابات ونتائجها، فلها مساطرها أمام القضاء الانتخابي المختص.

لماذا لا تكفي عبارة “هذه حملة انتخابية سابقة لأوانها”؟

لأن المسؤولية القانونية تحتاج إلى فعل محدد ونص قانوني منطبق وأدلة يمكن تقييمها.

فليس من الدقة الصحفية أو القانونية القول إن كل مرشح ظهر في تجمع أو نشر صورة له قبل 10 شتنبر ارتكب جريمة.

وفي المقابل، لا يعني غياب عبارة “صوتوا لي” أن أي نشاط دعائي يصبح قانونياً تلقائياً.

فالواقع الرقمي قد يكشف عن حملة انتخابية متكاملة من دون استعمال العبارة بشكل مباشر.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين النشاط السياسي العام وبين النشاط الذي يكتسي طابعاً انتخابياً واضحاً.

وماذا عن الإعلانات الممولة؟

هذه واحدة من أكثر النقاط التي تستحق التدقيق.

إذا تم تمويل محتوى للترويج لمرشح أو لائحة، فإن البحث لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: “هل الإعلان سابق لأوانه؟”

بل يجب طرح أسئلة أخرى:

من دفع ثمن الإعلان؟

كم أنفق؟

من استهدف الإعلان؟

هل يرتبط المحتوى بترشيح محدد؟

وهل تم إدراج النفقة ضمن الحسابات الانتخابية عندما تكون خاضعة لذلك؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة مع تطور تنظيم الإنفاق على الوسائل الرقمية خلال انتخابات 2026.

بين حرية التعبير ونزاهة الانتخابات

القضية في نهاية المطاف ليست مجرد صراع بين مرشح والسلطة.

هناك مبدأان ينبغي التوفيق بينهما:

حرية التعبير والتواصل السياسي من جهة، ونزاهة المنافسة الانتخابية وتكافؤ الفرص من جهة أخرى.

ولهذا فإن الرقابة على الحملات لا ينبغي أن تتحول إلى منع للنقاش السياسي المشروع، كما لا ينبغي أن تتحول حرية التعبير إلى وسيلة للالتفاف على القواعد المنظمة للمنافسة الانتخابية.

انتخابات 2026.. هل تكفي القواعد الحالية؟

مع اقتراب موعد الاقتراع، يبدو أن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المؤسسات على تطبيق القواعد القانونية على واقع انتخابي تغير جذرياً.

فالحملة الحديثة قد لا تبدأ بتجمع جماهيري، وإنما بفيديو مدته 30 ثانية.

وقد لا تحتاج إلى ملصقات، بل إلى إعلان ممول.

وقد لا يكون صاحب المحتوى هو المرشح نفسه، بل صفحة أو مؤثر أو حساب مجهول.

وقد لا يكون المحتوى حتى من إنتاج بشري كامل، بل مولداً أو معدلاً بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وهنا يصبح التحدي:

كيف تلاحق الرقابة حملة تتحرك بسرعة الخوارزميات؟

الخلاصة: القانون يحدد الإطار.. والإثبات يحسم المسؤولية

القانون المغربي يحدد فترة الحملة الانتخابية الرسمية، وينظم وسائل الدعاية والإعلانات، ويقرر عقوبات محددة لمجموعة من المخالفات. كما أن التشريع الجديد أدخل تحديات رقمية، من بينها المحتويات المزيفة واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ضمن دائرة الاهتمام القانوني.

لكن لا ينبغي اختزال الأمر في عبارة واحدة هي “الحملة السابقة لأوانها”.

فلكل واقعة تكييفها القانوني، ولكل مخالفة عناصرها، ولكل عقوبة شروطها.

وفي انتخابات 2026، لن يكون السؤال فقط:

من بدأ حملته أولاً؟

بل سيكون أيضاً:

من موّلها؟ ومن نشرها؟ ومن استهدف بها؟ وهل كانت مجرد ممارسة سياسية أم حملة انتخابية فعلية؟ ومن يملك الأدلة على ذلك؟

وفي زمن أصبحت فيه المنافسة الانتخابية تبدأ أحياناً من شاشة الهاتف، فإن حماية نزاهة الانتخابات ستتطلب من المؤسسات ليس فقط مراقبة ما يراه المواطن في الشارع، وإنما أيضاً ما يصل إلى هاتفه قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد