صوت الصحراء:هيئة التحرير
لم يكن جورج أورويل يحذر من الكلمات عبثاً حين تحدث عن قدرة اللغة السياسية على تجميل القبح، وإخفاء الحقيقة، ومنح الوهم مظهراً يشبه الواقع.
وفي المواسم الانتخابية، تظهر هذه المعادلة بوضوح حين يتحول الخطاب من تقديم البرامج ومناقشة الحصيلة إلى تبادل الاتهامات، وتوزيع الوعود، واستعراض الحشود، وكأن عدد الأشخاص الذين يقفون خلف المرشح أصبح بديلاً عن عدد المواطنين الذين يقتنعون بمشروعه.
في الصحراء، يعرف الجميع تقريباً كيف تُصنع بعض المشاهد الانتخابية: كيف يجري استدعاء الناس إلى هذا اللقاء أو ذاك، وكيف تتحول بعض التجمعات إلى مناسبة لاستعراض الأعداد أكثر مما هي مساحة للنقاش السياسي الحقيقي. وتُثار، في هذا السياق، انتقادات متكررة بشأن استعمال المال والحوافز لحشد المشاركين والتأثير في اختيارات الناخبين، وهي ممارسات إن صحت فإنها تضرب جوهر المنافسة الديمقراطية.
فلو اختفى المال والإغراءات من بعض أشكال الحشد، يطرح كثيرون سؤالاً مشروعاً: كم من هذه اللقاءات كان سيظل ممتلئاً؟ وكم من هذه الحشود كان سيأتي بدافع الاقتناع وحده؟
المشكلة ليست في أن يستقطب السياسي المواطنين، ولا في أن ينجح حزب في تنظيم تجمع جماهيري كبير؛ فهذا جزء طبيعي من العمل السياسي. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحشد غاية في حد ذاته، ويصبح المال وسيلة لصناعة صورة انتخابية لا تعكس بالضرورة حجم الاقتناع الحقيقي.
عندها تتحول السياسة إلى مشهد: سيارات، حشود، صور، شعارات، ووعود لا تنتهي، بينما يتراجع السؤال الأهم: ماذا تحقق؟ وماذا سيُنجز؟ وما البرنامج الذي يستحق ثقة الناخب؟
والأكثر إثارة للقلق أن بعض الحملات تنشغل بتصفية الحسابات وتبادل الاتهامات بين خصوم كانوا بالأمس في مواقع متقاربة، وكأن الانتخابات تحولت إلى محكمة يتراشق فيها الجميع بالتهم، بدل أن تكون مناسبة لتقديم الحساب السياسي أمام المواطنين.
واستحقاقات 23 شتنبر ليست مجرد منافسة على مقاعد انتخابية، بل هي انتخابات برلمانية يفترض أن تفرز ممثلين داخل مؤسسة لها أدوار أساسية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي والمساهمة في تقييم السياسات العمومية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: من يستطيع حشد أكبر عدد من الناس؟ بل: من يملك رؤية وبرنامجاً وقدرة على تمثيل المواطنين داخل البرلمان؟
الناخب ليس رقماً في صورة جماعية، وليس رقماً في لائحة الحضور، وليس سلعة انتخابية.
ومن الخطأ الخلط بين المناضل الذي يحضر لأنه يؤمن بمشروع حزبه، والمواطن الذي يتم استقدامه إلى تجمع انتخابي مقابل منفعة أو وعد أو مقابل مادي. الأول جزء من العمل السياسي، أما الثاني فيكشف أزمة أعمق عندما يصبح المال بديلاً عن الإقناع.
في النهاية، يمكن صناعة حشد كبير في يوم واحد، ويمكن صناعة صورة انتخابية براقة، ويمكن أن تُملأ الساحات بالناس. لكن ما لا يمكن صناعته بسهولة هو الاقتناع الحقيقي.
وهنا بالضبط تصبح انتخابات 23 شتنبر اختباراً ليس فقط لمن يستطيع جمع أكبر عدد من الأشخاص، وإنما لمن يستطيع إقناع الناخبين بأن لديه ما يقدمه بعد انتهاء الحملة وانطفاء مكبرات الصوت.
فبين من يحشد الناس ومن يقنع الناس، مسافة كبيرة… والصندوق وحده يكشفها.
تعليقات الزوار