بين الامس واليوم من خدمة الناس إلى سباق الثروة.. ماذا تغير في تدبير الشأن العام بالداخلة؟

صوت الصحراء هيئة التحرير
رحم الله رجالاً حملوا مسؤولية تدبير الشأن العام بالداخلة منذ استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979، وكانوا يرون في المنصب تكليفاً وأمانة، لا باباً للامتيازات والمصالح.
في ذاكرة أبناء المنطقة، تحضر أسماء مثل المرحوم الباشا محمد فاضل السملالي، الذي تولى مسؤولية المجلس البلدي في مرحلة كان فيها تدبير الشأن العام مرتبطاً بالبساطة والانضباط، ويُقال إنه ترك فائضاً في مالية المجلس بدل أن تكون المسؤولية وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية.
كما يستحضر أبناء الداخلة محمد المامي أهل أحد إبراهيم، المعروف بـ”ماميتو”، الذي كان برلماني وترأس المجلس البلدي للمدينة، والذي لا يزال يعيش، بحسب ما هو معروف محلياً، في منزل عادي شيده من ماله الخاص.
هذه النماذج، وغيرها من رؤساء الجماعات القروية في تلك المرحلة، تقدم صورة لمسؤولين كانت علاقتهم بالمنصب مختلفة؛ فالمسؤولية كانت مرتبطة بالواجب، والمال العام له حرمته، والخوف من الله كان حاضراً في تدبير شؤون المواطنين.
لكن ماذا تغير اليوم؟
خلال السنوات الأخيرة، أصبح المشهد الانتخابي يثير نقاشاً واسعاً حول حجم الأموال التي تُصرف للوصول إلى المؤسسات المنتخبة، وحول تحول الانتخابات لدى البعض من ممارسة سياسية هدفها خدمة المواطنين إلى ما يشبه الاستثمار الذي ينتظر صاحبه عائداً.
وقد عبّر السيد حمودي حميد عن هذا التحول بقوله إن دخول غمار الاستحقاقات أصبح بالنسبة للبعض أشبه باستثمار، إلى درجة بيع الإبل أو العقار أو تحمل تكاليف مالية كبيرة من أجل الظفر بعضوية مجلس منتخب.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري:
من ينفق أموالاً طائلة للوصول إلى موقع المسؤولية، هل يفعل ذلك فقط من أجل خدمة الصالح العام؟
السؤال لا يتضمن اتهاماً لأحد، لكنه يستحق جواباً سياسياً وأخلاقياً واضحاً، خصوصاً عندما تتحول المنافسة الانتخابية إلى سباق في الإنفاق، وتصبح الوعود أكبر من البرامج، ويصبح بعض المواطنين مجرد أرقام انتخابية يتم استمالتها خلال فترة الحملة.
والأخطر أن المواطن أصبح أحياناً يقارن بين وضع بعض الأشخاص قبل دخولهم المؤسسات المنتخبة وبين وضعهم بعد سنوات من تحمل المسؤولية، متسائلاً عن مصادر هذا التحول في مستوى المعيشة والثروة.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار تغير الوضع المالي لشخص ما دليلاً على ارتكاب مخالفة، فالإثبات مسؤولية المؤسسات المختصة، لكن الشفافية تظل حقاً للمواطن، والمحاسبة تظل أساساً لأي تدبير ديمقراطي سليم.
المشكلة ليست في أن يصبح المسؤول ميسوراً، وإنما في أن يتحول المنصب العمومي، في نظر البعض، إلى طريق مختصر نحو الثراء والنفوذ.
الداخلة لا تحتاج إلى منتخبين يكثرون من الوعود أثناء الحملات، ولا إلى صراعات حول من أنجز هذا المشروع أو ذاك، بل تحتاج إلى مسؤولين يتركون وراءهم أثراً واضحاً في حياة المواطنين، ويقدمون الحساب عن السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية.
لقد كان رجال الأمس، بحسب شهادة الكثير من أبناء المنطقة، يغادرون المسؤولية دون ثروات ضخمة، بينما أصبح السؤال اليوم: كيف دخل بعض المسؤولين إلى المؤسسات المنتخبة، وكيف خرجوا منها؟
هذا السؤال لا يستهدف شخصاً بعينه، ولا يصدر حكماً على أي منتخب، وإنما هو دعوة إلى فتح نقاش جدي حول المال الانتخابي، وأخلاقيات المسؤولية، ومصادر الثروة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي النهاية، تبقى العبرة فيمن يعتبر المنصب أمانة أمام الله والوطن والمواطنين، لا فرصة شخصية.
رحم الله من رحلوا، ونسأل الله الهداية والاستقامة لمن بقي، وأن تعود المسؤولية العمومية إلى معناها الحقيقي: خدمة الناس، وصيانة المال العام، وترك أثر يستحق أن يُذكر بعد انتهاء الولاية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد