صوت الصحراء القسم السياسي
قبل أن تنطلق الحملات الانتخابية رسميًا، وقبل أن تُرفع الشعارات وتُوزع البرامج، بدأت في عدد من مناطق المملكة، شمالًا وجنوبًا، ملامح الاستعداد للاستحقاقات المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026. لقاءات، وتحركات، وتحالفات، وسباق محموم لاستمالة الناخبين، في مشهد يتكرر مع كل محطة انتخابية.
غير أن السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من المواطنين لم يعد يتعلق بمن يمتلك أفضل برنامج أو أكثر المرشحين قدرة على خدمة المواطنين، بل أصبح سؤالًا مؤسفًا ومقلقًا: كم سيكون ثمن الصوت الانتخابي هذه المرة؟
حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن الخلل لا يكون في الانتخابات وحدها، بل في الثقافة السياسية التي سمحت بتحويل الديمقراطية إلى سوق موسمي، وتحويل المواطن من شريك في صناعة القرار إلى بائع لصوته، وتحويل بعض المرشحين من أصحاب مشاريع مجتمعية إلى مستثمرين يبحثون عن أرباح سياسية ومالية.
فالانتخابات ليست مزادًا علنيًا، وليست موسمًا لتوزيع الأموال والهبات، بل هي تعاقد أخلاقي وسياسي بين المواطن ومن سيمثله داخل المؤسسات. وكل تعاقد يبدأ بالمال ينتهي بالمصلحة الخاصة، لأن من يدفع الملايين للوصول إلى مقعد انتخابي لا يفعل ذلك من أجل عيون المواطنين، بل لأنه يعتبر تلك الأموال رأسمالًا يجب أن يعود إليه بأرباح مضاعفة.
ولذلك، لم يعد مستغربًا أن يرى المواطن منتخبين دخلوا الحياة العامة بإمكانات بسيطة، ثم خرجوا منها بعد سنوات وهم يملكون العقارات والشركات والاستثمارات، بينما بقيت الأحياء التي انتخبتهم تعاني ضعف البنيات التحتية، واستمرت البطالة، وتأجلت الوعود، وتكررت الأعذار.
إن أخطر ما يفرزه المال الانتخابي أنه يقتل روح المحاسبة. فالمرشح الذي يشتري الأصوات لا يشعر بأنه مدين للناخبين، بل يعتبر أنه اشترى حق الوصول، وأنه أدى الثمن مقدمًا، فلا يعود يرى في المنصب مسؤولية، وإنما امتيازًا يجب استثماره.
ولا تقتصر خطورة الظاهرة على المرشح وحده، بل تمتد إلى الناخب أيضًا. فقبول المال مقابل الصوت يعني التنازل، ولو مؤقتًا، عن جزء من الحق في مساءلة المنتخب لاحقًا. فمن باع صوته لا يستطيع أن يستغرب إذا وجد الخدمات غائبة، أو المشاريع متعثرة، أو المصالح الخاصة مقدمة على المصلحة العامة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الساحة الوطنية تزخر أيضًا بكفاءات ورجال ونساء اختاروا السياسة من باب الخدمة العامة، وحافظوا على نظافة اليد وصدق الالتزام. لكن هؤلاء يحتاجون إلى دعم الناخب الواعي، لأن الديمقراطية لا تحميها القوانين وحدها، بل يحميها ضمير المواطن.
إن معركة 23 شتنبر ليست فقط منافسة بين الأحزاب والمرشحين، بل هي معركة بين ثقافتين: ثقافة تعتبر الصوت الانتخابي أمانة ومسؤولية، وثقافة تختزله في ورقة نقدية تنتهي قيمتها بانتهاء يوم الاقتراع.
إن مستقبل الأقاليم الجنوبية، كما مستقبل باقي جهات المملكة، لن تصنعه الأموال التي تُوزع في الخفاء، بل ستصنعه الإرادة الحرة، والاختيار الواعي، والإيمان بأن التنمية الحقيقية تبدأ من صندوق اقتراع نزيه، لا من بورصة انتخابية تُباع فيها الذمم.
وفي النهاية، تبقى الرسالة موجهة إلى كل ناخب: لا تجعل من صوتك سلعة، فهو أمانة أمام الله، ومسؤولية أمام الوطن، وحق للأجيال القادمة. فالمال يزول، أما أثر الاختيار الخاطئ فقد يبقى لسنوات، يدفع ثمنه الجميع.
تعليقات الزوار