منتخبو الداخلة.. خلافات حول المسؤولية وتسابق على نسب الإنجاز، والمشاريع ملك للساكنة

صوت الصحراء
في المشهد السياسي بالصحراء، تتكرر أحياناً صورة تستحق التوقف عندها: منتخبون يتبادلون الاتهامات أمام الرأي العام، وكل طرف يحاول تحميل الآخر مسؤولية التعثر أو التأخر، لكن عندما يتعلق الأمر بالمشاريع والإنجازات، يتغير الخطاب، ويبدأ سباق آخر؛ سباق نسب الفضل وتقديم كل طرف نفسه باعتباره صاحب المبادرة أو المدافع الأول عن هذا المشروع أو ذاك.

ويختصر مثل متداول هذه الصورة بالقول: “السياسيون في العالم كالقرود في الغابة؛ إذا تشاجروا أفسدوا الزرع، وإذا تصالحوا أكلوا المحصول.”

وبعيداً عن حرفية التشبيه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إذا كانت المشاريع في النهاية ملكاً للمنطقة وساكنتها، فما جدوى كل هذه الصراعات بين المنتخبين حول من اقترح ومن دافع ومن كان وراء المشروع؟

خلال الحملات الانتخابية، تتضاعف هذه الظاهرة في الخطاب السياسي، حيث يسعى كل مرشح إلى تقديم نفسه باعتباره المدافع الأول عن المنطقة، وصاحب المبادرة في عدد من المشاريع، أو الطرف الذي ساهم في إخراجها إلى حيز التنفيذ، بينما يتبادل منافسوه الاتهامات حول المسؤولية عن التأخر أو التعثر.

وهنا يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: إذا كانت المشاريع والبرامج التنموية ثمرة عمل مؤسساتي تشارك فيه قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية ومجالس منتخبة وإدارات متعددة، فلماذا يتحول كل مشروع، مع اقتراب موعد الانتخابات، إلى إنجاز يحاول أكثر من طرف تسجيله باسمه؟

المفارقة أن هذا السلوك يذكر، في نظر بعض المتابعين، بما شهدته الساحة السياسية الوطنية من تبادل للاتهامات بين مسؤولين وأعضاء داخل الحكومة خلال مراحلها الأخيرة، قبل أن يعود الخطاب نفسه إلى تقديم حصيلة العمل باعتبارها إنجازاً جماعياً أو إنجازاً لهذا الطرف أو ذاك.

هذا التناقض بين لغة الصراع ولغة الإنجاز قد يترك لدى المواطن انطباعاً بأن جزءاً من المواجهات السياسية يرتبط بالحسابات الانتخابية أكثر مما يرتبط بجوهر تدبير الشأن العام.

بل إن المواطن المتابع قد يتساءل، أمام كثرة الاتهامات المتبادلة ثم عودة الأطراف نفسها إلى الظهور عند الحديث عن المشاريع: هل الخلافات التي نراها تعكس فعلاً اختلافاً عميقاً حول تدبير الشأن العام، أم أن بعضها يتغير بحسب الظرف السياسي والانتخابي؟

لكن مثل هذا السؤال لا يمكن حسمه بالانطباعات وحدها، وإنما بالعودة إلى الوقائع والوثائق: من اقترح المشروع؟ من ترافع بشأنه؟ من اتخذ القرار؟ من موّل؟ من نفذ؟ ومن تابع مراحل إنجازه؟

فالمواطن لا يحتاج إلى صراع دائم بين المنتخبين، كما لا يحتاج إلى أن يرى الجميع يتبنون المشاريع نفسها عندما تحين الانتخابات. ما يحتاجه هو الوضوح والحصيلة.

المشروع العمومي لا يصبح ملكاً لمنتخب لمجرد أنه تحدث عنه، ولا لجهة سياسية لمجرد أنها شاركت في الترافع بشأنه. كما أن ظهوره في صورة أو خلال تدشين لا يجعله بالضرورة صاحب الإنجاز.

المشاريع التي تعرفها الأقاليم الجنوبية تندرج ضمن برامج عمومية ومؤسساتية، وتساهم فيها قطاعات ومؤسسات ومجالس وإدارات ومنتخبون، كل حسب اختصاصه ومسؤوليته. ولذلك فإن نسب مشروع كامل إلى شخص واحد أو جهة واحدة قد يحجب حقيقة المسار المؤسساتي الذي يقف وراءه.

ومن هنا تصبح الحاجة ملحة إلى التمييز بين العمل المؤسساتي والعمل الانتخابي.

فالمنتخب مطالب بأن يقدم للمواطن حصيلة واضحة: ماذا اقترح؟ في ماذا ترافع؟ ما الذي يدخل ضمن اختصاصه؟ ما الذي تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ وما الأسباب؟

بهذه الطريقة فقط يستطيع المواطن أن يميز بين من ساهم فعلاً في إنجاز مشروع، ومن اكتفى بالظهور عند اكتماله.

والأهم أن المنتخب لا يقاس بعدد الصور التي يظهر فيها بجانب المشاريع، ولا بعدد المشاريع التي ينسبها إلى نفسه خلال الحملة الانتخابية، وإنما بمدى وضوح حصيلته، وبما قدمه فعلياً من مقترحات وترافع وتتبع ومساءلة، وبقدرته على تقديم حساب واضح أمام المواطنين.

والصحراء اليوم أمام أوراش ومشاريع تنموية متعددة، وهو ما يجعل الحاجة أكبر إلى نقاش سياسي يقوم على البرامج والحصيلة والشفافية، بدل أن يبقى أسيراً لتبادل الاتهامات من جهة، والتسابق على تبني الإنجازات من جهة أخرى.

فالاختلاف السياسي أمر طبيعي، والنقد والمحاسبة حق مشروع، لكن عندما يتحول الخلاف إلى صراع دائم حول المسؤوليات، ثم تتحول المشاريع عند إنجازها إلى ملكية سياسية مشتركة للجميع، يجد المواطن نفسه أمام صورة ملتبسة.

وقد يكون الأخطر في ذلك أن يفقد المواطن الثقة في الخطاب السياسي نفسه؛ فيصبح كل اتهام قابلاً للتشكيك، وكل إنجاز قابلاً للتساؤل، وكل ظهور انتخابي حول مشروع معين محل سؤال: هل نحن أمام ممارسة سياسية تقوم على المسؤولية والمحاسبة، أم أمام خطاب يتغير بحسب موقع الانتخابات؟

في النهاية، المشاريع ليست غنيمة انتخابية، والإنجازات العمومية ليست ملكاً لهذا المنتخب أو ذاك. إنها حق للساكنة، وثمرة عمل مؤسساتي وتمويل عمومي وجهود متعددة.

أما المنتخب، فمسؤوليته الحقيقية لا تبدأ عند افتتاح المشروع ولا تنتهي عند التقاط الصور، بل تبدأ من الترافع عنه، وتتواصل في تتبع تنفيذه، وتنتهي بتقديم حصيلة واضحة للمواطنين.

وفي الصحراء كما في غيرها، يبقى المواطن هو صاحب الحق في معرفة الحقيقة: ماذا تحقق؟ من ساهم في ماذا؟ ما الذي لم يتحقق؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخير إن وجد؟

فالمواطن لا يريد أن يكون مجرد متفرج على صراع انتخابي يتبادل فيه السياسيون الاتهامات عندما يختلفون، ويتسابقون على تبني الإنجازات عندما يحين وقت الحملة.

ما يريده ببساطة هو أن يرى أثر المشاريع في حياته، وأن يعرف حقيقة المسؤوليات، وأن تكون السياسة وسيلة لخدمة المنطقة وساكنتها، لا ساحة لتبادل الاتهامات أو تسجيل الإنجازات بأسماء أصحابها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد