صوت الصحراء : القسم السياسي
مع كل استحقاق انتخابي، تعود إلى الواجهة أسئلة كثيرة حول طبيعة المنافسة الانتخابية، ومعايير اختيار المرشحين، ودور المال والنفوذ في الحملات، ومدى قدرة الكفاءات والأشخاص المشهود لهم بالنزاهة وخدمة الصالح العام على الوصول إلى مواقع المسؤولية. فالانتخابات ليست مجرد مناسبة للتنافس على المقاعد أو لاستعراض الحضور والحشود، وإنما هي آلية أساسية لاختيار من سيتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام والدفاع عن مصالح المواطنين. ومن هنا تبرز أهمية أن يكون الاختيار مبنيًا، قدر الإمكان، على الكفاءة والنزاهة والبرنامج والقدرة على خدمة المجتمع، لا على المال أو العاطفة أو الانتماء وحده.
لا يمكن تجاهل الدور الذي يلعبه المال في الحملات الانتخابية، فالحملة تحتاج إلى موارد لتنظيم اللقاءات والتواصل مع المواطنين والتعريف بالبرامج والمرشحين، غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول المال من وسيلة مشروعة لتنظيم الحملة والتواصل إلى عامل يؤثر بصورة غير سليمة في إرادة الناخبين. وفي بعض المناطق، قد تبدو الحملات الانتخابية وكأنها منافسة في الحضور والإنفاق والحشود، فيصبح المرشح الأكثر قدرة مالية أكثر ظهورًا وانتشارًا، وهذا قد يخلق انطباعًا لدى البعض بأن النجاح السياسي مرتبط أساسًا بالقدرة المالية، بدل أن يكون مرتبطًا بالكفاءة والثقة والبرنامج والرصيد الحقيقي في خدمة المواطنين.
ومع ذلك، من المهم عدم تعميم الأحكام؛ فوجود مرشح ميسور الحال أو صاحب إمكانيات مالية لا يعني بالضرورة أنه غير نزيه أو أنه يستعمل المال بصورة غير مشروعة، كما أن محدودية الإمكانيات المالية لا تعني تلقائيًا أن المرشح أكثر كفاءة أو نزاهة. المعيار الحقيقي ينبغي أن يكون في السلوك والممارسة والبرنامج والقدرة على تحمل المسؤولية.
ومن الظواهر التي تستحق التأمل أيضًا مشهد الحشود الكبيرة خلال الحملات الانتخابية، فقد يُفهم أحيانًا وجود عدد كبير من الأشخاص إلى جانب مرشح معين على أنه دليل قاطع على شعبيته وقوة حضوره، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فالحضور في الحملات قد يكون نابعًا من الاقتناع السياسي، أو العلاقات الاجتماعية، أو الانتماء العائلي أو القبلي، أو الرغبة في مساندة صديق أو قريب، أو مجرد المشاركة الاجتماعية، وقد تكون هناك أيضًا حالات تتداخل فيها المصالح المادية. لذلك لا يمكن اعتبار حجم الحشود وحده مقياسًا موضوعيًا لشعبية المرشح أو كفاءته، وإنما المعيار الأهم هو ما يقدمه المرشح من أفكار وبرامج، وما يحمله من تصور لخدمة المنطقة والمواطنين، وما إذا كان سجله السابق يؤكد قدرته على الوفاء بالتزاماته.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تُلقى المسؤولية كاملة على الأحزاب أو المرشحين، فالناخب نفسه يحتل موقعًا أساسيًا في العملية الانتخابية. فالاختيار الانتخابي قرار له أثر يتجاوز يوم الاقتراع، لأن الشخص الذي يحصل على ثقة المواطنين قد يصبح مسؤولًا عن قرارات تمس حياتهم اليومية ومستقبل مناطقهم ومصالحهم. ولهذا فإن من المهم أن يسأل الناخب نفسه قبل التصويت: من هو المرشح الأكثر كفاءة؟ من يمتلك برنامجًا واقعيًا؟ من عُرف بالنزاهة والاستقامة؟ من لديه القدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين؟ ومن أثبت في الماضي أنه قادر على تحمل المسؤولية؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من حجم الحملة أو عدد الصور والملصقات أو عدد الأشخاص المحيطين بالمرشح.
ومن الطبيعي أن تتأثر اختيارات الناخب بعوامل اجتماعية وعاطفية، خصوصًا في المجتمعات التي تلعب فيها العلاقات العائلية والاجتماعية دورًا مهمًا، لكن عندما تتحول هذه العوامل إلى المعيار الوحيد للاختيار، فقد يصبح البرنامج والكفاءة في المرتبة الثانية. ولا يعني ذلك أن على الناخب أن يتخلى عن قناعاته أو انتماءاته، وإنما أن يمنح الأولوية للمصلحة العامة عند اتخاذ القرار. فالمرشح الذي يصل إلى المسؤولية لا يمثل عائلته أو أنصاره فقط، وإنما يصبح مسؤولًا عن خدمة جميع المواطنين، سواء صوتوا له أم لم يصوتوا له.
وإذا كان استخدام المال بصورة غير مشروعة في الانتخابات يمثل خطرًا على نزاهة العملية الديمقراطية، فإن قبول الناخب لأي مقابل بهدف التأثير في صوته يساهم بدوره في تكريس هذه الممارسة. وهنا تصبح المسؤولية مشتركة بين المرشح والناخب والهيئات السياسية والجهات الرقابية والمجتمع ككل. فالانتخابات النزيهة تحتاج إلى مرشح يحترم إرادة المواطنين، وناخب يحترم صوته، وأحزاب تقدم الكفاءة والبرامج، ومؤسسات تضمن احترام القانون وتكافؤ الفرص.
وربما يكون التحدي الحقيقي هو الانتقال من انتخابات تركز أحيانًا على الأشخاص والحضور والقدرة على الحشد، إلى منافسة تضع البرامج والكفاءة والحصيلة في صدارة النقاش. نحتاج إلى أن يسأل المواطن المرشح عن الحلول التي يقترحها لمشاكل المنطقة، وعن أولوياته، وعن قدرته على تنفيذ وعوده، وعن تجربته السابقة، بدل الاكتفاء بالشعارات والخطب الرنانة. كما تحتاج الأحزاب إلى إعطاء مساحة أكبر للكفاءات والأشخاص القادرين على العمل وخدمة المواطنين، بدل أن تصبح القدرة على الإنفاق أو الحضور الاجتماعي العامل الحاسم في اختيار المرشحين.
وفي النهاية، الانتخابات ليست مجرد يوم تنتهي بانتهاء التصويت، وإنما هي بداية مرحلة من المسؤولية والمحاسبة. وعندما يقف الناخب أمام صندوق الاقتراع، فإن عليه أن يتذكر أن صوته له قيمة، وأن اختياره قد يؤثر في مستقبل منطقته ومصالح مواطنيها. ومن المنظور الديني والأخلاقي، فإن اعتبار التصويت أمانة وشهادة يحتم على الإنسان أن يتحرى الصدق والعدل في اختياره، وألا يجعل المال أو الإغراء أو العاطفة وحدها سببًا في منح صوته.
صوتك ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما تعبير عن ثقة ومسؤولية. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يملك أكبر حملة؟ بل: من يملك الكفاءة؟ من يملك النزاهة؟ من يملك البرنامج؟ ومن يستطيع أن يخدم المواطن والصالح العام؟ وفي النهاية، تبقى قوة الانتخابات الحقيقية مرتبطة بوعي الناخب، ونزاهة المرشح، ومسؤولية الأحزاب، واحترام القانون، وقدرة المجتمع على جعل الكفاءة والنزاهة معيارًا أساسيًا في الوصول إلى المسؤولية.