صوت الصحراء :القسم السياسي
مع كل استحقاق انتخابي، تتجدد الوعود وتكثر اللقاءات والخطب والشعارات، ويجد المواطن نفسه أمام مرشحين يقدم كل واحد منهم نفسه باعتباره الأقدر على الدفاع عن مصالح السكان وحل مشاكل المنطقة. لكن السؤال الأساسي هو: ماذا يستطيع البرلماني فعلًا أن يقدم بعد انتهاء الحملة الانتخابية؟
كثيرًا ما يُنظر إلى البرلماني باعتباره قادرًا على توفير فرص الشغل، وإنجاز الطرق والمشاريع، وحل المشاكل الإدارية، والتدخل في مختلف المصالح الفردية. غير أن هذه الصورة لا تعكس بالضرورة الدور الحقيقي للبرلماني، لأن مهمته الأساسية تتمثل في ممارسة العمل التشريعي والرقابي داخل البرلمان، والمساهمة في سن القوانين ومناقشتها والتصويت عليها، ومراقبة عمل الحكومة، وتقييم السياسات العمومية، والدفاع عن القضايا التي تهم المواطنين والترافع بشأنها داخل المؤسسة التشريعية.
لذلك، فإن الفرق كبير بين ما يُوعَد به المواطن خلال الحملة الانتخابية، وما يدخل فعلًا ضمن صلاحيات البرلماني. فالبرلماني ليس موظفًا إداريًا، ولا مسؤولًا عن تدبير الجماعة الترابية، ولا يملك بمفرده سلطة إنشاء الوظائف أو إنجاز المشاريع المحلية أو تغيير قرارات الإدارات. يستطيع أن ينقل انشغالات المواطنين، ويطرح الأسئلة، ويدافع عن قضايا المنطقة، ويسائل الحكومة بشأن الاختلالات والمشاكل، لكنه لا يستطيع أن يحل كل المشاكل بقرار شخصي.
ومن هنا ينبغي أن يتغير معيار اختيار الناخب. فبدل أن يسأل: «ماذا سيقدم لي هذا المرشح؟»، من الأفضل أن يسأل: «ماذا يستطيع هذا المرشح أن يقدم للمنطقة وللمصلحة العامة من خلال موقعه داخل البرلمان؟». هل يمتلك الكفاءة والمعرفة؟ هل يستطيع المساهمة في التشريع؟ هل يملك القدرة على مراقبة الحكومة؟ هل يتابع قضايا المنطقة؟ وهل يستطيع تحويل انشغالات المواطنين إلى قضايا تُطرح داخل المؤسسات؟
كما أن على الأحزاب مسؤولية اختيار مرشحين قادرين على تحمل هذه المسؤولية، لا مجرد أشخاص يمتلكون القدرة على الحشد أو تنظيم الحملات أو إطلاق الوعود. فالعمل البرلماني يحتاج إلى الكفاءة، والقدرة على تحليل الملفات، وفهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، والنقاش المسؤول، وليس فقط إلى الخطابات والشعارات.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يبتعد البرلماني عن المواطنين بعد فوزه؛ بل عليه أن يستمع إلى انشغالاتهم ويتابع قضاياهم، ولكن ضمن الإطار المؤسساتي والقانوني لصلاحياته، حتى لا تتحول العلاقة بين الناخب والمنتخب إلى مجرد وعود أو وساطة في المصالح الشخصية.
إن التنمية وخدمة المواطنين لا تتحقق بكثرة الوعود أو حجم الحشود الانتخابية، وإنما بالعمل المؤسساتي والكفاءة والتشريع الجيد والرقابة والمحاسبة. ولذلك فإن البرلماني الذي يستحق ثقة المواطنين ليس بالضرورة من يعد بأكثر، وإنما من يعرف حدود صلاحياته، ويمتلك القدرة على ممارسة دوره الحقيقي، ويجعل من الثقة التي منحه إياها الناخب مسؤولية لخدمة الوطن والمواطن.
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون منافسة في الوعود، وإنما اختيارًا لمن يستطيع تحويل الثقة إلى عمل، والتمثيل إلى مسؤولية، والصوت الانتخابي إلى دفاع حقيقي عن المصلحة العامة.