جوطية الانتخابات قبل 23 شتنبر.. صور كثيرة وبرامج غائبة

بقلم محمد سالم الشافعي

مع اقتراب 23 شتنبر، لم يعد المشهد الانتخابي في بعض المناطق مجرد استعداد طبيعي للاستحقاق، بل بدأ يأخذ شكل سباق محموم نحو صناعة النفوذ الانتخابي قبل أن يتكلم الناخبون. لقاءات متتالية، رحلات سياسية، صور جماعية، وإعلانات عن “الالتفاف” و”الدعم”، وكأن نتائج الانتخابات قد حُسمت قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.

والسؤال هنا ليس من حقه أن يتحرك أو يعقد لقاءات؛ فهذا حق مشروع لكل حزب ومرشح، وإنما السؤال هو: هل هذه التحركات تقدم للناخب برنامجًا سياسيًا حقيقيًا، أم أنها مجرد محاولة لصناعة صورة انتخابية توحي بقوة غير مؤكدة على أرض الواقع؟

فالسياسة لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين يظهرون في صورة، ولا بعدد اللقاءات التي تعقد، ولا بحجم الوفود التي تنتقل من مدينة إلى أخرى. كما أن تقديم مجموعة من الأشخاص على أنهم يمثلون قبيلة بأكملها يظل أمرًا يحتاج إلى كثير من التحفظ؛ فالقبائل والمجتمعات ليست كتلة سياسية واحدة، والاختيار الانتخابي في النهاية قرار فردي لا يمكن مصادرته بصورة جماعية.

والأكثر إثارة أن بعض الخطابات الانتخابية بدأت تتعامل مع 23 شتنبر وكأنه مجرد محطة شكلية، بينما يتم الحديث مسبقًا عن مواقع المسؤولية وأدوار سياسية كبرى، في وقت لم يقدم فيه بعض المتنافسين بعدُ ما يكفي لإقناع المواطن بأن لديهم مشروعًا واضحًا لتدبير الملفات التي تشغله.

هنا ينبغي أن يكون النقد السياسي مباشرًا: لا يمكن اختزال السياسة في الصور، ولا اختزال البرنامج في الشعارات، ولا اختزال الشرعية في عدد الحاضرين في اجتماع انتخابي.

والأحزاب السياسية مطالبة، قبل طلب أصوات المواطنين، بأن تجيب بوضوح عن سؤال بسيط: ماذا ستقدم؟ وماذا أنجزت سابقًا؟ وماذا ستغير إذا حصلت على ثقة الناخبين؟ أما إعادة تقديم الوجوه نفسها والوعود نفسها واللغة نفسها في كل استحقاق، فلا يمكن أن تكون بديلًا عن المحاسبة السياسية.

كما أن مسؤولية الإعلام هنا أساسية، بل تصبح أكثر إلحاحًا مع اقتراب 23 شتنبر. فليس من وظيفة الإعلام أن يتحول إلى مكبر صوت للحملات الانتخابية، أو أن يكتفي بإعادة نشر صور المرشحين وبيانات الولاء دون مساءلة. وظيفة الإعلام أن يسأل، وأن يقارن، وأن يضع الخطاب السياسي أمام الواقع، وأن يمنح المواطن المعلومة التي تمكنه من الاختيار.

إذا أعلن مرشح عن مشروع، فليُسأل عن تفاصيله. وإذا تحدث عن حصيلة، فلتُعرض الأرقام والوقائع. وإذا قدم مجموعة من الأشخاص باعتبارها تمثل منطقة أو قبيلة، فليُوضح نطاق هذا التمثيل. وإذا كان صاحب مسؤولية سابقة، فالأولى أن تكون حصيلته حاضرة في النقاش، لا أن تُمحى بمجرد اقتراب موسم انتخابي جديد.

لقد أصبح الناخب أكثر وعيًا بهذه الأساليب. قد يحضر اجتماعًا، وقد يستمع إلى خطاب، وقد يظهر في صورة، لكنه يحتفظ في النهاية بحقه الكامل في اتخاذ قراره داخل المعزل الانتخابي.

لذلك، فإن كل هذا الضجيج الذي يسبق 23 شتنبر ينبغي ألا يحجب السؤال الأساسي: من يملك برنامجًا حقيقيًا؟ ومن يملك حصيلة يمكن الدفاع عنها؟ ومن يملك القدرة على تحويل الوعود إلى قرارات وإنجازات؟

فالانتخابات ليست مسابقة في الظهور، وليست مزادًا للولاءات، وليست عملية لإعادة توزيع المناصب قبل إعلان النتائج.

23 شتنبر هو موعد المواطن مع صندوق الاقتراع، وليس موعدًا مسبقًا لتوزيع الكراسي.

والإعلام الذي يضع هذه الأسئلة في صلب تغطيته لا يساند مرشحًا ضد آخر؛ بل يمارس دوره الطبيعي في حماية حق المواطن في المعلومة، وفي جعل الانتخابات منافسةً بين البرامج والحصائل، لا بين الصور والانطباعات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد