صوت الصحراء:القسم السياسي
يبدو أن بعض الأحزاب السياسية في الداخلة وادي الذهب لم تجد، بعد سبات سياسي دام أكثر من خمس سنوات، ما تقدمه للساكنة سوى أخبار الالتحاقات والانضمامات، وكأن مستقبل جهة بأكملها يمكن أن يُختزل في إعلان انتقال هذا الشخص إلى حزب، أو ذاك إلى تنظيم آخر.
في الوقت الذي كانت فيه الساكنة تنتظر برامج حقيقية، وأفكاراً جديدة، وحلولاً واقعية للإشكالات التي تؤرق المواطن، خرجت علينا بعض التنظيمات السياسية بما يشبه “حصيلة الانتقالات”، في مشهد يعيد إلى الواجهة السؤال القديم: هل أصبحت السياسة في الداخلة وادي الذهب مجرد سباق على استقطاب الأشخاص، أم أنها ما زالت قادرة على إنتاج المشاريع والأفكار؟
المواطن الذي ظل ينتظر طويلاً لا يبحث اليوم عن وجوه جديدة في الصور الحزبية، ولا عن أسماء تتبادل الألوان السياسية، وإنما يريد أن يعرف ماذا ستفعل هذه الأحزاب إذا وصلت إلى مواقع القرار، وماذا ستقدم للجهة وشبابها ومهنييها ومقاولاتها وأسرها.
وكما سبق أن أشرنا في مقال سابق: “في الصيف ضيعتي اللبن”.
فمن ضيع سنوات كاملة دون أن يقدم ما يكفي من المبادرات والبرامج، لا يمكنه أن يتصور أن بضعة ولائم أو عشرات الصور أو حفلات الانضمام ستعيد إليه الثقة المفقودة.
والأكثر إثارة للانتباه هو عودة السماسرة الموسميين إلى الواجهة. أولئك الذين يعرفون جيداً كيف تبدأ المواسم الانتخابية، وكيف تتحرك الهواتف، وكيف تفتح الأبواب، وكيف تُرتب اللقاءات، وكيف تتحول الوليمة من مناسبة اجتماعية إلى أداة من أدوات الاستقطاب السياسي.
تكثر الولائم، ويعود “الكرم الحاتمي”، وتكثر اللقاءات المغلقة والمفتوحة، وتبدأ الوعود في الانتشار، وكأن الانتخابات أصبحت موسماً له طقوسه الخاصة: موائد عامرة، صور جماعية، تصريحات براقة، وانضمامات متتالية.
لكن المواطن لم يعد كما كان.
لقد أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين من يأتي لخدمة الشأن العام ومن يأتي بحثاً عن موقع، وبين من يحمل مشروعاً حقيقياً ومن يحمل فقط لائحة أسماء.
وإذا كانت بعض الأحزاب تعتقد أن استقطاب بعض الأشخاص سيمنحها تلقائياً شعبية انتخابية، فعليها أن تتذكر أن المواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة، وأن صناديق الاقتراع لا تُدار بمنطق الولائم ولا بمنطق الصور المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالسياسة ليست مسابقة في عدد المنضمين.
والحزب القوي ليس هو الذي يستطيع جمع أكبر عدد من الأشخاص حول مائدة، وإنما الذي يستطيع جمع الناس حول فكرة ومشروع ورؤية.
والداخلة وادي الذهب اليوم في حاجة إلى أكثر من ذلك بكثير.
تحتاج إلى من يضع ملف التشغيل على الطاولة، ومن يناقش مستقبل الشباب، ومن يقدم تصوراً واضحاً لدعم القطاعات المهنية، ومن يتحدث عن الاستثمار والتنمية المحلية، ومن يملك رؤية لتثمين المؤهلات البحرية والسياحية، ومن يطرح حلولاً للإشكالات الاجتماعية والخدماتية، ومن يملك الجرأة على قول الحقيقة للمواطن، حتى عندما تكون الحقيقة غير مريحة.
أما أن يتحول النقاش العمومي إلى حديث عن “من التحق بمن”، فذلك يعني أن السياسة اختارت أسهل الملفات وتركت أصعبها جانباً.
والسؤال هنا ليس من دخل إلى هذا الحزب أو ذاك، وإنما: ماذا سيضيف؟
والسؤال ليس كم عدد الصور التي ستُنشر، وإنما: كم مشروعاً سيولد؟
والسؤال ليس كم وليمة ستقام، وإنما: كم وعداً سيتحول إلى إنجاز؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح اليوم، وليس فقط من طرف الصحافة، وإنما من طرف المواطن نفسه.
لقد ولى زمن الاعتقاد بأن المواطن يمكن استمالته بمجرد دعوته إلى وليمة أو التقاط صورة معه أو تقديم وعود انتخابية لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
فالوليمة تنتهي، والصورة تُنسى، والخطاب الانتخابي ينتهي بانتهاء الحملة، لكن المواطن يبقى مع مشاكله وانتظاراته.
ولهذا، فإن من يريد خوض الاستحقاقات المقبلة عليه أن يخرج من منطق “الحشد” إلى منطق “الإقناع”، ومن منطق استعراض الأسماء إلى منطق تقديم الكفاءات، ومن منطق الولائم إلى منطق البرامج.
الداخلة وادي الذهب ليست ملكاً لحزب، ولا لجماعة سياسية، ولا لأشخاص يتناوبون على الواجهة. إنها فضاء عمومي يخص مواطنين لهم الحق في معرفة من يريد تمثيلهم، وماذا يحمل لهم، وما هي رؤيته لمستقبل الجهة.
وإذا كان البعض يعتقد أن المعركة الانتخابية تبدأ من الوليمة وتنتهي بالصورة الجماعية، فإن المواطن قد يفاجئ الجميع هذه المرة، لأن المعركة الحقيقية قد تبدأ من سؤال بسيط لكنه ثقيل:
أين برنامجكم؟
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر أكبر من الصراحة، وأقل من الاستعراض، وإلى برامج مكتوبة وقابلة للقياس، بدل الشعارات الفضفاضة، وإلى كفاءات قادرة على التنفيذ، بدل السماسرة الذين لا يظهرون إلا مع اقتراب موعد الانتخابات.
فمن أراد ثقة المواطن فليقدم له مشروعاً.
ومن أراد صوته فليشرح له ماذا سيفعل به.
ومن أراد أن يمثل الجهة فليثبت أولاً أنه قادر على الدفاع عن مصالحها.
أما زمن الولائم والانضمامات الموسمية، فقد لا يكون كافياً هذه المرة.
لأن السؤال الذي سيبقى مطروحاً، مهما كثرت الموائد ومهما ارتفعت أصوات الاحتفال بالتحاقات جديدة، هو نفسه:
ماذا فعلتم للداخلة وادي الذهب؟ وماذا ستفعلون لها غداً؟
وما عدا ذلك، فليس سوى ضجيج انتخابي سرعان ما ينتهي بانتهاء الموسم.