السياسة المغربية بين استقطاب رجال الأعمال وتهميش الكفاءات

بقلم محمد الحبيب هويدي
لم تعد الأزمة التي يعيشها المشهد السياسي المغربي مرتبطة فقط بتراجع نسب المشاركة أو اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بطبيعة النخب التي تتصدر المشهد. فكلما اقترب موعد الانتخابات، ارتفع منسوب استقطاب رجال الأعمال والأعيان وأصحاب النفوذ، بينما يتراجع حضور الكفاءات العلمية والمثقفين وأصحاب الخبرة في تدبير الشأن العام.
ولا أحد يجادل في حق رجال الأعمال في ممارسة العمل السياسي، فالدستور يكفل المساواة في الحقوق السياسية. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول المال إلى معيار أساسي في اختيار المرشحين، أو عندما يصبح النفوذ الاقتصادي مدخلاً للوصول إلى مواقع القرار، في ظل غياب ضمانات كافية لتفادي تضارب المصالح. فكيف يمكن إقناع المواطن بأن المصلحة العامة ستكون فوق كل اعتبار إذا كان المنتخب مطالباً بالتصويت على قوانين قد تؤثر بشكل مباشر في مصالحه الاقتصادية؟
وفي المقابل، يثير وصول بعض المنتخبين الذين يفتقرون إلى الحد الأدنى من التكوين السياسي والقانوني علامات استفهام كبيرة. فالبرلمان ليس فضاءً للوجاهة الاجتماعية أو تحقيق المكانة، بل مؤسسة دستورية تضطلع بمهام التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، وهي مسؤوليات تتطلب معرفة عميقة بالقانون والاقتصاد والإدارة والشأن العام.
المواطن اليوم لا يبحث عن نائب يرفع الشعارات، بل عن ممثل يمتلك القدرة على قراءة مشاريع القوانين، ومناقشتها، والدفاع عن مصالح المواطنين بالحجة والكفاءة. لذلك فإن جودة التشريع تظل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجودة من يشرع.
ومن الملاحظ أيضاً أن عدداً من الأحزاب الكبرى بات يراهن، في كثير من الأحيان، على الأسماء القادرة على حصد الأصوات أكثر من رهانه على الكفاءات القادرة على صناعة السياسات العمومية. هذا التوجه، وإن كان قد يحقق مكاسب انتخابية على المدى القصير، فإنه قد يضعف جودة المؤسسات التمثيلية ويؤثر في ثقة المواطنين بالعمل السياسي.
إن المغرب، في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، يحتاج إلى نخب سياسية تمتلك رؤية واستقلالية وكفاءة، وتضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار شخصي أو حزبي. كما يحتاج إلى أحزاب تجعل من الكفاءة والاستحقاق معياراً أساسياً في اختيار مرشحيها، لا القدرة المالية أو النفوذ المحلي فقط.
فالسياسة في نهاية المطاف ليست استثماراً لتحقيق الأرباح، ولا وسيلة للحصول على الامتيازات، بل هي تكليف قبل أن تكون تشريفاً، ومسؤولية قبل أن تكون مكسباً. وعندما تستعيد السياسة هذه القيم، يمكن للمواطن أن يستعيد ثقته في المؤسسات، وأن يؤمن بأن البرلمان والجماعات الترابية فضاءات لخدمة الوطن والمواطن، لا لخدمة المصالح الخاصة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل آن الأوان لأن تعيد الأحزاب السياسية المغربية النظر في معايير اختيار نخبها، حتى يصبح معيار الكفاءة والنزاهة والخبرة مقدماً على المال والنفوذ؟ ذلك سؤال يستحق أن يكون في صلب النقاش العمومي، لأن مستقبل الديمقراطية يبدأ من جودة من يمثلون المواطنين داخل المؤسسات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد