القرآنيون وتحريم الخمر.. بين النص القرآني وما أثبته العلم

 

يروج من يسمون أنفسهم بـ”القرآنيين” لطرحٍ يشكك في بعض الأحكام الشرعية المتعارف عليها، ومن بينها تحريم الخمر، بدعوى أن القرآن لم يرد فيه نص صريح بلفظ “حرّم” مقروناً بالخمر.

غير أن العودة إلى الآيات نفسها تكشف أن القرآن قال:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

ثم قال سبحانه عن الخمر والميسر:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219].

قبل أن يأتي البيان الحاسم في سورة المائدة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].

فهل يحتاج بعد الأمر الإلهي الصريح بـاجتناب الخمر، ووصفه بأنه رجس من عمل الشيطان، والسؤال القرآني: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، إلى البحث عن كلمة “حرام” بجانب لفظ الخمر حتى يثبت التحريم؟

ولم يتوقف الأمر عند الجانب الديني؛ فالعلم الحديث أثبت كذلك أن تناول الكحول يرتبط بأضرار متعددة على صحة الإنسان، تشمل زيادة خطر الإصابة بأمراض الكبد والقلب وبعض أنواع السرطان، فضلاً عن تأثيره في الدماغ والجهاز العصبي، وما قد يترتب عن الإفراط في تناوله من الإدمان والحوادث والإصابات والمشكلات الاجتماعية. وتؤكد الهيئات الصحية الدولية أن الكحول مادة سامة ومسببة للاعتماد، وأن مخاطرها الصحية تزداد مع زيادة الاستهلاك.

وهنا تبرز دلالة لافتة: فالقرآن أشار إلى وجود بعض المنافع، لكنه أكد أن ﴿إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، ثم جاء الأمر باجتنابه.

الاختلاف في فهم النصوص حق، لكن قراءة القرآن تقتضي جمع الآيات وفهمها في سياقها، لا الوقوف عند لفظ واحد وإغفال بقية النص. ولعل العودة إلى النص القرآني كاملاً، مع النظر في ما أثبته العلم من أضرار الخمر، تكون أقرب إلى الصواب، بعيداً عن الانتقائية والجدل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد