بقلم :عادل الحمداوي
لم تنتظر الانتقادات الموجهة إلى زكية الدريوش طويلاً بعد حسم تزكيتها لخوض الاستحقاقات الانتخابية بجهة سوس ماسة. فبمجرد انتقال اسمها من دائرة الاستقطاب والحسابات الحزبية إلى موقع المنافسة الانتخابية، بدأت أسئلة كثيرة تعود إلى الواجهة، مرتبطة بمسارها في قطاع الصيد البحري، وعلاقاتها بالمهنيين، والرخص والامتيازات، بل وحتى أرقام مالية ضخمة قُدمت في بعض الخطابات باعتبارها معطيات حاسمة.
المشكلة ليست في انتقاد مسؤولة أو مرشحة للانتخابات، فالسياسة بطبيعتها مجال مفتوح للنقاش والمساءلة، وإنما في التوقيت وفي الطريقة التي أعيد بها تقديم وقائع ومسار مهني معروفين منذ سنوات، وكأنهما معطيات جديدة لم تظهر إلا بعد حسم التزكية.
زكية الدريوش لم تدخل قطاع الصيد البحري مع اقتراب موعد الانتخابات، ولم تبدأ علاقتها بالمهنيين والمستثمرين وملفات الاقتصاد الأزرق وتثمين المنتجات البحرية وتربية الأحياء المائية في الأسابيع الأخيرة. إنها خبرة تراكمت على مدى سنوات، وكانت في مرحلة سابقة بالذات من العناصر التي تجعل اسمها قابلاً للدخول في حسابات الاستقطاب السياسي.
وهنا تبدأ المفارقة.
فالخبرة نفسها التي يمكن أن تجعل من شخص ما اسماً مرغوباً فيه داخل الحسابات الحزبية، يمكن أن تتحول، بمجرد تغير الموقع، إلى مادة للهجوم عليه. والعلاقات المهنية التي تكون طبيعية ومفهومة بالنسبة إلى مسؤولة قضت سنوات في قطاع معين، تصبح فجأة قابلة للتأويل السياسي عندما يتحول صاحبها إلى منافس انتخابي.
لا يعني ذلك بالضرورة وجود جهة واحدة تقف وراء كل الانتقادات، ولا يسمح وحده بالحديث عن مؤامرة أو تنسيق، لأن مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة. لكن تسلسل الأحداث يظل كافيًا لطرح سؤال مشروع: ماذا تغير فعلاً بعد حسم التزكية؟ هل ظهرت معطيات جديدة لم تكن معروفة من قبل، أم أن الذي تغير أساساً هو الموقع السياسي لصاحبة الاسم؟
الأكثر إثارة للجدل كان ظهور أرقام مالية ضخمة في النقاش، وعلى رأسها الحديث عن “أربعة مليارات سنتيم في الشهر أو أكثر”، في سياق مرتبط بالرخص والامتيازات في قطاع الصيد البحري.
هنا تحديداً ينبغي أن تتوقف السياسة، وتبدأ الحسابات.
فالحديث عن أربعين مليون درهم شهرياً ليس مجرد تعبير سياسي أو وصف صحفي يمكن تمريره دون تفصيل. إنه رقم مالي محدد، وبالتالي يحتاج إلى معطيات محددة تبرره. كيف تم احتسابه؟ ما طبيعة النشاط المقصود؟ ما الكميات؟ وما الأسعار؟ وما مدة الاستغلال؟ وهل يتعلق الأمر برقم معاملات أم بمداخيل أم بأرباح؟ وهل تم احتساب تكاليف الوقود والصيانة والأجور والرسوم وباقي المصاريف؟
ثم إن هناك فرقاً كبيراً بين قيمة رخصة أو امتياز، ورقم معاملات، ومداخيل، وأرباح صافية. جمع هذه المفاهيم كلها تحت عنوان واحد هو “الملايير” قد يكون مثيراً إعلامياً، لكنه لا يكفي لإثبات أي شيء.
والأكثر غرابة أن تقديم ورقة بيضاء أمام الكاميرا لا يجعلها وثيقة، كما أن إطلاق رقم كبير لا يجعله حقيقة بمجرد تكراره.
الوثيقة لها مصدر ومرجع وتاريخ ومضمون، والحساب له معطيات ومنهجية ونتيجة يمكن مراجعتها. وإذا كان رقم “الأربعة مليارات” مبنياً على حساب حقيقي، فإن أبسط طريقة لإنهاء الجدل هي تقديم هذا الحساب للرأي العام. وإذا كان مرتبطاً برخصة أو امتياز محدد، فإن الوثيقة التي تثبت ذلك ستكون أقوى بكثير من أي نقاش تلفزيوني أو منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا تظهر قاعدة أساسية يفترض أن تنطبق على الجميع دون استثناء: من يطالب السياسيين بتفسير أرقامهم ووعودهم الانتخابية ومصادر تمويلها، عليه أن يقبل بالقاعدة نفسها عندما يقدم هو رقماً أو اتهاماً للرأي العام.
فالمواطن الذي يطالب المرشح بأن يشرح من أين جاءت أرقامه، له الحق أيضاً في أن يسأل صاحب أي رقم متداول: كيف وصلت إلى هذه النتيجة؟
هذه ليست مسألة دفاع عن زكية الدريوش، بقدر ما هي دفاع عن معيار مهني يفترض أن يحكم النقاش العام. فمن يوجه اتهاماً يقدم دليله، ومن يقدم رقماً يشرح طريقة احتسابه، ومن يعرض وثيقة يوضح مصدرها. أما تحويل عبء الإثبات إلى الشخص المستهدف، ومطالبته بنفي كل رقم وشبهة ورواية تظهر في الفضاء العام، فذلك يفتح الباب أمام منطق خطير تصبح فيه الاتهامات سهلة، بينما يصبح التخلص من آثارها شبه مستحيل.
واللافت أن النقاش الحالي لا يتعلق فقط بزكية الدريوش، بل يكشف شيئاً عن طبيعة المنافسة السياسية نفسها.
قبل حسم المواقع، كانت الأحزاب تبحث عن الأسماء التي يمكن أن تضيف قيمة إلى لوائحها، سواء من حيث الكفاءة أو الحضور أو العلاقات أو القدرة على التواصل مع فئات اجتماعية ومهنية مختلفة. وبعد حسم المواقع، تتحول بعض الأسماء نفسها إلى منافسين، وبالتالي تصبح عناصر القوة التي كانت تمنحها قيمة انتخابية موضع استهداف.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً أكثر من أي وقت مضى: لماذا لم تكن هذه الملفات في صدارة الانتقادات قبل التزكية؟ وما الذي استجد بعد حسمها؟ وإذا كانت هناك اختلالات أو استفادات غير مشروعة أو رخص وامتيازات مثيرة للجدل، فلماذا لم تطرح بالوضوح نفسه قبل دخول المعترك الانتخابي؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى مزيد من المزايدات، وإنما إلى شيء بسيط: الوثائق.
فإذا كانت هناك وثائق، فلتعرض. وإذا كان هناك حساب مالي، فليشرح. وإذا كانت هناك رخص أو امتيازات محددة، فليقدم مرجعها. عندها لن يكون المواطن بحاجة إلى من يشرح له كيف يصوت أو من يحاول توجيه حكمه، لأن المعطيات ستكون أمامه.
أما إذا ظل الأمر محصوراً في أرقام ضخمة بلا حساب واضح، ووثائق غير معروضة، واتهامات تتكرر أكثر مما تثبت، فإن تكرارها لن يحولها إلى حقائق.
السياسة قد تغير المواقع، وقد تجعل حليف الأمس منافس اليوم، وقد تجعل اسماً كان مطلوباً في مرحلة الاستقطاب هدفاً في مرحلة الانتخابات. لكن الصحافة يفترض ألا تغير معيارها بتغير المواقع.
فالذي كان يحتاج إلى دليل قبل التزكية، يحتاج إلى الدليل نفسه بعدها.
وفي نهاية المطاف، ليست المشكلة في أن تُنتقد زكية الدريوش، ولا في أن تُفتح ملفات قطاع الصيد البحري أمام الرأي العام، بل في أن يتحول النقاش من مساءلة مبنية على المعطيات إلى محاكمة بالأرقام والانطباعات.
أما “الأربعة مليارات”، فستظل مجرد رقم مثير إلى أن يظهر الحساب الذي أنتجه. وأما الورقة البيضاء، فستظل ورقة بيضاء إلى أن توضع أمام الرأي العام وثيقة موثوقة تقول عكس ذلك.
وبين الرقم والاتهام والوثيقة، يبقى المواطن هو الحكم، شرط أن يحصل أولاً على الحقيقة كاملة، لا على نصفها.