حين تصبح السياسة استثماراً.. هل نملك نخباً قادرة على تدبير الحكم الذاتي والجهوية الموسعة؟
بقلم : محمد الحبيب هويدي
على ما يبدو، ومن خلال ما نتابعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خرجات إعلامية وخطب وتصريحات لبعض ممثلي الأحزاب السياسية في الأقاليم الصحراوية، فإن جزءاً من الخطاب السياسي المتداول اليوم لا يرقى إلى مستوى المرحلة، ولا يعكس بالضرورة ذلك العمق الذي يفترض أن تتحلى به النخب المنتظرة منها المساهمة في تدبير ورش استراتيجي من حجم الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي.
فالمسألة ليست مجرد انتخابات أو حملات انتخابية أو صراع حول المواقع والامتيازات، وإنما ترتبط بمستقبل منطقة تحتاج إلى نخب سياسية تمتلك القدرة على التفكير بعيداً، وفهم طبيعة المرحلة، وإيصال الرسائل السياسية بأسلوب محسوب، يقرأ ما بين السطور ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض الأصوات التي تحاول فرض نفسها في المشهد السياسي تبدو، بحسب ما يظهر من بعض خرجاتها، أكثر انشغالاً بمحاربة الكفاءات وتخوين المخالفين وتصنيفهم، بدل فتح المجال أمام كل الكفاءات الصحراوية للمساهمة في تدبير الشأن العام.
فهل أصبح الاختلاف في الرأي كافياً لاتهام هذا الشخص بالانفصال أو ذاك بالموالاة لجبهة البوليساريو؟ وهل من الطبيعي أن تتحول مثل هذه التهم إلى وسيلة لإقصاء كفاءات قد تكون قادرة على تقديم خدمة أكبر للقضية الوطنية؟
والأخطر من ذلك أن هناك من يرى أن بعض الجهات قد تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تكريس هذا النوع من الخطاب، لأسباب وحسابات يصعب فهمها إلا في سياق المصالح الخاصة، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج القبلية بدل تجاوزها.
لقد كان من المفترض أن يكون الرهان على بناء نخبة صحراوية جديدة، تجمع بين الكفاءة الأكاديمية والخبرة السياسية والقدرة على التواصل وفهم التحولات الإقليمية والدولية، لا على منطق الولاءات الضيقة والحسابات الانتخابية الآنية.
فالحكم الذاتي، إن كان يراد له أن يكون مشروعاً واقعياً وقابلاً للتدبير، يحتاج إلى رجال ونساء قادرين على تحمل مسؤولياته، وليس فقط إلى أشخاص يجيدون الخطابة في المناسبات الانتخابية أو صناعة الشعارات على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن المواطن الصحراوي، الذي أصبح أكثر وعياً بما يدور حوله، لن يكون من السهل إقناعه بخطابات انتخابية تقوم على الوعود أو على استعراض القوة السياسية، خصوصاً عندما يرى أن بعض السياسيين راكموا ثروات ومصالح خلال سنوات من ممارسة السياسة.
وهنا تستحضر الذاكرة ما سبق أن ذهب إليه ابن الداخلة حميد حمودي خلال تدخله في ندوة نظمها حزب العدالة والتنمية بالداخلة، حين وصف الانتخابات في الصحراء بأنها أصبحت أشبه بـ”استثمار”، في إشارة إلى ما اعتبره تحوّل العملية الانتخابية إلى مجال تُوظف فيه الأموال والممتلكات من أجل خوض غمار الانتخابات.
وإذا كانت الانتخابات قد تحولت، في نظر البعض، إلى استثمار تُباع من أجله الجمال والعقارات وتُصرف الأموال، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمكن لمنطق الاستثمار السياسي أن ينتج نخبة قادرة على تدبير مشروع سياسي بحجم الحكم الذاتي؟
وهل يمكن لمن جعل السياسة وسيلة لتوسيع النفوذ والمصالح أن يقنع المواطن بأن السياسة أصبحت فعلاً خدمة عمومية؟
ثم ماذا عن الكفاءات الصحراوية التي اختارت الابتعاد عن هذا النوع من الممارسة السياسية؟ ولماذا لا يتم البحث عنها وتشجيعها وإدماجها بدل دفعها إلى الهامش؟
إن المرحلة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، الانتقال من منطق “من معنا ومن ضدنا” إلى منطق “من يستطيع أن يقدم الأفضل”. فالرهان الحقيقي ليس على عدد الأصوات التي يمكن جمعها في صناديق الاقتراع، وإنما على نوعية النخب التي يمكن أن تتحمل مسؤولية المستقبل.
أما الاستمرار في تكريس القبلية، ومحاربة الكفاءات، وتحويل الاختلاف السياسي إلى اتهامات جاهزة، فلن يؤدي إلا إلى إضعاف المشهد السياسي وإهدار طاقات صحراوية كان من الممكن أن تكون لها مساهمة حقيقية في الدفاع عن الوحدة الترابية وفي تنزيل أي نموذج متقدم للحكم والجهوية.
وفي نهاية المطاف، قد تكون الانتخابات محطة عابرة، لكن النخبة التي ستتحمل مسؤولية المستقبل ليست عابرة. ولذلك فإن السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: من يملك فعلاً القدرة والكفاءة والرؤية لتدبير مرحلة ما بعد الانتخابات؟