بقلم محمد فاضل حمنة
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت بعض الوجوه في تكثيف حضورها على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر نشر الصور، واستعراض الأزياء واللقاءات، والحديث المتواصل عن الأمجاد والإنجازات، وكأن كثرة الظهور على فيسبوك وتيك توك أصبحت الطريق الأقصر إلى قلوب الناخبين.
غير أن الشعبية لا تُقاس بعدد الصور، ولا بعدد المشاهدات والإعجابات، ولا بحجم الأموال التي تُصرف على الإعلانات. فالناخب قد يشاهد الصورة، ويضع الإعجاب، ويتابع الفيديو، لكنه عندما يحين وقت التصويت يعود إلى سؤال واحد: ماذا قدم هذا المرشح فعلاً؟
وفي محاولة لصناعة حضور انتخابي أكثر جاذبية، قد يلجأ البعض إلى الاستعانة بالشعراء لكتابة قصائد المديح، وبالمغنين لتقديم الأغاني، وبالمصورين والمخرجين لصناعة صورة انتخابية براقة، بل وحتى بالذكاء الاصطناعي لإنتاج خطابات وصور وفيديوهات تظهر المرشح وكأنه الشخصية التي لا ينافسها أحد.
لكن كل هذا يبقى مجرد دعاية إذا لم يكن وراءه رصيد حقيقي من العمل والثقة.
فالشاعر يستطيع أن يكتب أجمل قصيدة، والمغني يستطيع أن يقدم أجمل أغنية، والمصور يستطيع أن يخرج أجمل صورة، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع أكثر الفيديوهات إبهاراً، لكن لا واحداً من هؤلاء يستطيع أن يمنح المرشح ثقة لا يمتلكها.
وهنا تطرح أسئلة كثيرة نفسها: هل تكفي الصورة الجميلة لإقناع الناخب؟ وهل تستطيع قصيدة مديح أن تمحو سنوات من التقصير؟ وهل يمكن لأغنية انتخابية أن تعوض غياب الإنجازات؟ وهل كثرة المشاهدات تعني بالضرورة كثرة الأصوات داخل صناديق الاقتراع؟ وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع مصداقية غير موجودة على أرض الواقع؟
وقد تنفق أموال كثيرة على صناعة صورة انتخابية مثالية، ثم تأتي لحظة الحقيقة لتكشف أن تلك الصورة لا علاقة لها بما يعرفه الناس عن صاحبها.
بل إن الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح اليوم من أدوات الحملات الدعائية، قد يتحول من وسيلة للتلميع إلى وسيلة لكشف ضعف الخطاب وفراغ المضمون، لأنه مهما نجح في تجميل الكلمات والصور، فإنه لا يستطيع تغيير الواقع أو صناعة تاريخ جديد للمرشح.
فالناخبون يعرفون من خدمهم، ومن غاب عنهم، ومن وعد ولم يفِ، ومن يتحدث كثيراً ويفعل قليلاً. ولذلك فإن محاولة شراء الشعبية بالإشهار أو الأغاني أو الصور لن تكون كافية لإقناعهم.
يمكن شراء الإشهار، لكن لا يمكن شراء الثقة. ويمكن صناعة الصورة، لكن لا يمكن صناعة المصداقية بالذكاء الاصطناعي.
وفي نهاية المطاف، لن تكون القصائد ولا الأغاني ولا الصور ولا الفيديوهات هي التي ستضع الورقة داخل صندوق الاقتراع، وإنما قناعة الناخب نفسه.
فهل سيصوّت المواطن للصورة التي يراها على هاتفه، أم للشخص الذي يعرفه على أرض الواقع؟ وهل سيمنح صوته لمن يجيد الحديث عن أمجاده، أم لمن يستطيع تقديم حصيلة واضحة؟ وهل ستنجح الحملات الرقمية في تغيير قناعات الناخبين، أم أنها ستبقى مجرد ضجيج ينتهي بمجرد إغلاق الهاتف؟ وهل يستطيع المال أن يشتري الأصوات، أم أن صناديق الاقتراع ستكشف في النهاية حقيقة كل هذه الاستعراضات؟
لذلك، فإن أفضل حملة انتخابية ليست تلك التي تظهر فيها أكثر، بل تلك التي تستطيع فيها أن تجيب ببساطة عن سؤال الناس: ماذا قدمتم عندما كانت لديكم المسؤولية، وماذا ستقدمون إذا منحكم الناخبون أصواتهم؟
فهنا تبدأ الحملة الحقيقية، وهنا أيضاً تنتهي كل الأوهام.