محمد الوفا والأحزاب السياسية.. حين كان السياسي يقول ما يفكر فيه

صوت الصحراء

رحم الله محمد الوفا، الرجل الذي لم يكن من السياسيين الذين يختارون كلماتهم وفق ما تريده الصالونات الحزبية، ولا ممن يضعون حسابات المواقع والمناصب فوق قناعاتهم. كان، في كثير من مواقفه، يتحدث بلغة مباشرة، وأحياناً صادمة، ولذلك بقي اسمه حاضراً كلما عاد النقاش حول واقع الأحزاب السياسية بالمغرب.

لم يكن الوفا يرى الحزب مجرد لافتة انتخابية أو وسيلة للوصول إلى البرلمان والحكومة، بل كان ينظر إلى العمل الحزبي باعتباره مسؤولية ونضالاً وتاريخاً والتزاماً تجاه الوطن والمواطن. ولعل تجربته داخل حزب الاستقلال، وما رافقها من خلافات حادة، جعلته أكثر قدرة على قراءة التحولات التي عرفتها الحياة الحزبية المغربية.

اليوم، ونحن نقترب من الاستحقاقات الانتخابية، تبدو كثير من الأسئلة التي كانت تطرح في زمن محمد الوفا أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

أين هي الأحزاب التي كانت تصنع النخب السياسية؟

أين هو المناضل الذي كان يصل إلى مواقع المسؤولية بعد سنوات من العمل والتدرج والتضحية؟

وهل ما زال الانتماء الحزبي قائماً على الاقتناع بالمشروع السياسي، أم تحول في بعض الحالات إلى مجرد بوابة للترشح والامتياز والنفوذ؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الأحزاب ليس اختلاف الأفكار، فالاختلاف طبيعي في السياسة، وإنما أن تفقد الأحزاب قدرتها على إنتاج الكفاءات، وأن يصبح المال أقوى من التنظيم، والولاءات الشخصية أقوى من المؤسسات، والبحث عن المقعد الانتخابي أهم من الدفاع عن مشروع سياسي واضح.

كان محمد الوفا، بأسلوبه الخاص، يرفض أن تتحول السياسة إلى مهنة بلا مبادئ، أو أن يصبح الحزب مجرد محطة مؤقتة في مسار البحث عن موقع أو منصب. وقد أظهرت مواقفه وخلافاته السياسية أنه لم يكن يخشى الاصطدام عندما يتعلق الأمر بقناعته. وقد تناولت الصحافة المغربية مواقفه الحادة داخل حزب الاستقلال، خاصة خلال مرحلة الخلاف مع قيادة الحزب.

والحديث عن الوفا اليوم ليس حديثاً عن شخص غاب، وإنما عن مدرسة في ممارسة السياسة، بكل ما لها من إيجابيات وسلبيات. فالرجل كان جزءاً من جيل سياسي عرف معنى الحزب، وعرف معنى المعارضة، وعرف أيضاً أن الاختلاف داخل المؤسسة السياسية لا يعني بالضرورة التخلي عن الوطن.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا بقي من تلك السياسة؟

هل تستطيع الأحزاب أن تقنع المواطن بأن صوتَه الانتخابي ليس مجرد ورقة تُستعمل يوم الاقتراع؟

وهل تستطيع أن تقدم مرشحين يمتلكون الكفاءة والخبرة والاستقلالية، بدل الاكتفاء بمن يملك القدرة على الإنفاق أو العلاقات أو النفوذ؟

وهل ما زالت البرامج الانتخابية هي التي تصنع الاختيار، أم أن الأسماء والمال والوعود والخدمات الانتخابية أصبحت صاحبة الكلمة الفصل؟

رحم الله محمد الوفا، فقد كان من السياسيين الذين تركوا وراءهم مواقف قابلة للنقاش والاختلاف، لكنها في المقابل تفتح باباً مهماً للتفكير في سؤال أكبر: هل ما زالت الأحزاب المغربية قادرة على إنتاج رجال دولة، أم أنها أصبحت في حاجة هي نفسها إلى إعادة بناء؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل انتخابات، لأن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأحزاب والمرشحين والملصقات، وإنما بقدرة المؤسسات السياسية على إنتاج الثقة، وصناعة النخب، والدفاع عن المصلحة العامة.

وربما لو كان محمد الوفا بيننا اليوم، لكان له الكثير مما يقوله في هذا الموضوع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد