صوت الصحراء :القسم السياسي
رجل الدولة ليس هو من يجلس على الكرسي، ولا من يكثر من الكلام، ولا من تحيط به الأضواء والتصفيق. رجل الدولة هو الذي يشعر كمواطن، ويتصرف كمسؤول، ويدرك أن المنصب ليس ملكاً شخصياً، بل أمانة ومسؤولية أمام الناس والوطن.
هو الذي ينصت أكثر مما يتكلم، ويفعل أكثر مما يقول. لا يحتاج إلى كل يوم إلى صورة جديدة أو تصريح جديد ليؤكد حضوره، لأن الإنجاز الحقيقي يتحدث عن صاحبه دون حاجة إلى دعاية.
فرجل الدولة يُقاس بما يتركه من أثر، لا بما يتركه من انطباع. وتُقاس قيمته بحجم ما أنجزه، لا بعدد من يصفقون له. فالمناصب تزول، والأسماء تتغير، لكن ما يبقى هو العمل الذي استفاد منه الناس.
ورجل الدولة الحقيقي لا يخاف من الرأي المخالف، ولا يعتبر النقد مؤامرة، ولا يحاصر نفسه بالمقربين الذين يقولون له دائماً: “نعم”. بل يعرف أن المسؤول الذي لا يسمع إلا صوته، قد يكتشف متأخراً أنه كان يتحدث وحده.
ولا ينفرد بالقرار عندما تكون المصلحة العامة بحاجة إلى التشاور، ولا يرتهن لعصبية أو حسابات ضيقة، لأن من تحمل مسؤولية الشأن العام لم يعد مسؤولاً عن جماعته أو أنصاره فقط، وإنما عن الجميع.
رجل الدولة يعرف أيضاً أن الشجاعة ليست في عدم الاعتراف بالخطأ، وإنما في امتلاك الجرأة على تصحيحه. فالاعتراف بالخطأ لا ينتقص من هيبة المسؤول، بل يزيده احتراماً. أما الإصرار على الخطأ خوفاً من الاعتراف به، فهو بداية السقوط مهما كان حجم المنصب.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة أحياناً أهم من الإنجاز، والكلام أعلى من الفعل، تزداد الحاجة إلى مسؤولين يفهمون أن الدولة لا تُبنى بالضجيج، ولا تُدار بمنطق الاستعراض، وإنما بالعمل الهادئ، والقرار المسؤول، والقدرة على الإنصات، ثم الإنجاز.
الحكمة تقول: “من أراد أن يكون قائداً، فليتعلم أولاً كيف يكون خادماً للصالح العام.”
فالكرسي قد يمنح صاحبه سلطة، لكنه لا يمنحه بالضرورة هيبة. واللقب قد يمنح صاحبه صفة المسؤول، لكنه لا يصنع منه رجل دولة.
رجل الدولة الحقيقي هو من يغادر المنصب ويبقى أثره، بينما غيره يغادر المنصب ولا يبقى منه إلا الصور والكلام.
تعليقات الزوار