المسؤول والمنتخب والسياسي والنقابي الكذّاب.. حين يتحول الكلام إلى مهنة

صوت الصحراء :القسم السياسي

في الحياة العامة، لا شيء أخطر من مسؤول يكذب، أو منتخب يبيع الوعود، أو سياسي يتحدث بلغة لا تشبه أفعاله، أو نقابي يجعل من المبالغة والادعاء وسيلة لكسب الأنصار. فالكذب في الشأن العام ليس مجرد سلوك شخصي، بل يتحول إلى مشكلة عندما يصبح وسيلة للتأثير في الناس وصناعة صورة زائفة عن الواقع.

المسؤول الكذّاب هو الذي يَعِد بما يعرف مسبقاً أنه لن يتحقق، ويقدم الإنجازات على الورق قبل أن تظهر على الأرض، ويبحث عن الأعذار عندما يسأل الناس عن النتائج. أما المنتخب الذي يكذب، فهو الذي يتذكر المواطن في موسم الانتخابات، ويغدق عليه الوعود، ثم يختفي عندما تنتهي صناديق الاقتراع.

أما السياسي الذي يعيش على الكلام، فيجيد تغيير مواقفه حسب اتجاه الريح، ويقدم لكل جمهور الرواية التي يريد سماعها، حتى يصبح من الصعب معرفة أين يبدأ موقفه الحقيقي وأين تنتهي حساباته السياسية.

والنقابي الكذّاب ليس أقل خطراً، خصوصاً عندما يستعمل معاناة العمال والمهنيين وقضاياهم لتحقيق مكاسب شخصية أو لتلميع صورته. فالنقابة في جوهرها دفاع عن الحقوق، وليست منصة لصناعة الزعامات الوهمية.

المشكلة ليست في أن يخطئ المسؤول أو المنتخب أو السياسي أو النقابي؛ فالخطأ وارد، والاعتراف به فضيلة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخطأ إلى كذبة، ثم تتحول الكذبة إلى رواية، ثم تصبح الرواية خطاباً يُعاد تكراره حتى يُراد للناس أن يصدقوه.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى المواطن بسرعة، لم يعد من السهل إخفاء الحقيقة طويلاً. قد تنجح الصورة في صناعة انطباع مؤقت، وقد ينجح التصريح في صناعة ضجة، لكن الحقيقة في النهاية أقوى من كل الحملات.

فالناس قد تصفق للكلام، لكنها في النهاية تحاسب على النتائج.

ومن أجمل الحكم في هذا السياق: “الكذب قد ينقذ صاحبه من موقف، لكنه لا ينقذه من سقوط الثقة.”

ولهذا، فإن المسؤول الحقيقي لا يحتاج إلى اختراع إنجازات، والمنتخب الجاد لا يحتاج إلى وعود مستحيلة، والسياسي الصادق لا يحتاج إلى تغيير مواقفه كل يوم، والنقابي النزيه لا يحتاج إلى المتاجرة بقضايا من يدافع عنهم.

في الشأن العام، قد ينجح الكذب لبعض الوقت، لكن لا يمكنه أن يبني ثقة تدوم. فالمنصب ينتهي، والانتخابات تنتهي، والخطابات تنتهي… وما يبقى في النهاية هو الحقيقة والأثر.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد