عندما يصبح الناخب «سياسياً» أكثر من السياسي!

بقلم محمد الحبيب هويدي

هناك سياسيون يملكون الأحزاب، وآخرون يملكون الخطابات، وبعضهم يملك القدرة العجيبة على الظهور في كل صورة انتخابية وكأنه كان حاضراً منذ استقلال البلاد… لكن هناك فئة أخرى لا تحتاج إلى حزب ولا إلى لائحة ولا إلى منصة، ومع ذلك تملك أهم ورقة في اللعبة كلها: الناخب.

هذا الأخير لا يعقد مؤتمرات، ولا يعلق صوراً في الشوارع، ولا يكتب بيانات سياسية، ولا يخرج في تجمعات ليعلن ولاءه لهذا المرشح أو ذاك. لكنه، مع ذلك، يتابع الجميع، يسمع الجميع، ويبتسم للجميع… ثم يذهب يوم الاقتراع ليقرر وحده من يستحق أن يحصل على صوته.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

فمع اقتراب الانتخابات، تستيقظ ماكينة السياسة من سباتها. تختفي المسافات، وتصبح الأحياء والقرى والدواوير فجأة مراكز اهتمام، وتتحول الهواتف إلى غرف عمليات، وتصبح الزيارات أكثر كثافة، والمصافحات أكثر حرارة، والوعود أكثر سخاء.

وفجأة يكتشف المرشح أن المواطن الذي لم يجد وقتاً لمناداته طوال سنوات، أصبح الآن “أخاً”، و”صديقاً”، و”عزيزاً”، و”مناضلاً”، و”صاحب فضل”!

أما المواطن، وقد خبر هذه الطقوس الانتخابية مرة ومرتين وثلاثاً، فقد أصبح يعرف السيناريو قبل أن يبدأ العرض.

يعرف متى يبدأ الاتصال.

ويعرف متى تكثر الزيارات.

ويعرف متى تظهر السيارات أمام المنازل.

ويعرف متى تصبح الولائم جزءاً من “التواصل مع المواطنين”.

ويعرف أيضاً أن عبارة “نحن معكم دائماً” قد يكون لها تاريخ انتهاء صلاحية مضبوط على موعد إعلان النتائج.

لهذا لم يعد الناخب ذلك الكائن السياسي البسيط الذي يمكن إقناعه بسهولة بصورة جميلة أو خطاب حماسي.

لقد أصبح أكثر حذراً.

بل أصبح، في بعض الأحيان، أكثر براعة في السياسة من السياسي نفسه.

يمكنه أن يستقبل المرشح الأول ويقول له: “أنت رجل المرحلة”.

ثم يستقبل الثاني ويقول له العبارة نفسها.

وقد يلتقي ثالثاً في المساء فيخبره أن “الشارع كله معه”.

ثم ينصرف الجميع وهم مقتنعون بأنهم يملكون الصوت.

والحقيقة أن المواطن لم يمنح أحداً شيئاً سوى ابتسامة.

وهذا ليس بالضرورة نفاقاً كما قد يعتقد البعض؛ بل هو، في جانب منه، نتيجة طبيعية لتجربة انتخابية جعلت المواطن يتعلم أن الكلام الانتخابي لا ينبغي أن يؤخذ دائماً باعتباره عقداً ملزماً.

فالناخب يريد التنمية، نعم.

يريد مستشفى يشتغل.

ومدرسة تليق بأبنائه.

وشغلاً للشباب.

وإدارة لا تنظر إليه باعتباره ملفاً أو رقماً.

ويريد منتخباً يسمع صوته بعد الانتخابات كما كان يسمعه قبلها.

لكن المواطن، في الوقت نفسه، أصبح يعرف أن السياسة لا تُمارس كلها في البرامج الانتخابية.

هناك سياسة أخرى تجري في الكواليس: سياسة الاتصالات، والولائم، والوعود، وتبادل المجاملات، وحسابات النفوذ، و”من مع من”، و”من ضد من”، و”كم صوتاً يمكن أن يضمن هذا الشخص؟”.

وبينما ينشغل المرشح بعدّ الأصوات، ينشغل الناخب بشيء أكثر أهمية:

من سيبقى بعد انتهاء التصويت؟

وهنا تنقلب المعادلة.

المرشح يعتقد أنه يختبر شعبية الناخبين، بينما الناخب في الحقيقة يختبر صدق المرشحين.

المرشح يحاول أن يقنع الناس بأنه يعرف مشاكلهم، والناس يحاولون معرفة ماذا سيفعل عندما يصبح القرار في يده.

المرشح يبيع المستقبل بالكلمات، والناخب يريد أن يعرف ثمن الماضي الذي دفعه.

وهذه هي المشكلة التي لا تحلها عشرات الصور ولا مئات المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالسياسة ليست مسابقة في عدد الصور المنشورة، ولا بطولة في عدد المصافحات، ولا مهرجاناً لاختيار أجمل ابتسامة انتخابية.

السياسة في النهاية مسؤولية.

والانتخابات ليست موسم توزيع الوعود، بل موعد لتجديد الثقة أو سحبها.

لذلك فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث هو أن يتحول المواطن إلى مجرد رقم داخل حسابات المرشحين.

فالمواطن ليس رقماً.

إنه صاحب القرار.

وقد يجامل المرشح، وقد يستمع إلى خطابه، وقد يحضر لقاءه، وقد يتركه يعتقد أن كل شيء محسوم… لكنه في النهاية يدخل المعزل وحده.

هناك تنتهي المسرحية.

لا يستطيع المرشح أن يدخل معه.

ولا الحزب.

ولا الصديق.

ولا صاحب النفوذ.

ولا الصورة التي ملأت مواقع التواصل.

هناك، أمام ورقة صغيرة، يمكن أن تسقط كل الحسابات الكبيرة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك أكبر ماكينة انتخابية؟

ولا: من يستطيع تنظيم أكبر عدد من اللقاءات؟

ولا حتى: من يملك أكبر شبكة من المؤيدين؟

السؤال الحقيقي هو:

من يستطيع أن يحافظ على ثقة الناخب بعد أن يحصل على صوته؟

فالفوز في الانتخابات قد يكون سهلاً نسبياً إذا توفرت له الظروف والإمكانات والتحالفات.

لكن الأصعب بكثير هو أن يفوز المرشح مرة ثانية في ذاكرة المواطن.

أن يتذكره المواطن بعد سنوات ويقول: نعم، هذا الرجل وعد ونفذ.

نعم، هذا المنتخب كان موجوداً عندما احتجناه.

نعم، هذا السياسي لم يعتبر صوتنا شيكاً على بياض.

وهنا تحديداً تبدأ السياسة الحقيقية.

أما الانتخابات، بكل ما يرافقها من ضجيج، فهي مجرد مقدمة.

والناخب الذي يبتسم للجميع ليس بالضرورة مع الجميع.

والذي يصافح الجميع ليس بالضرورة سيصوت للجميع.

والذي يقول للمرشح “إن شاء الله” قد يكون بالفعل يقصدها… لكنه لم يقل أبداً: “صوتي لك”.

وهذا هو الدرس الذي يبدو أن بعض السياسيين ما زالوا يحتاجون إلى تعلمه.

الناخب اليوم ليس ذلك المواطن الذي ينتظر أن يختار له السياسي مستقبله؛ بل مواطن تعلم أن يترك السياسي يتحدث، ثم يحتفظ لنفسه بحق الإجابة داخل المعزل.

وفي النهاية، ستنتهي الحملة.

ستختفي الصور.

ستهدأ الهواتف.

ستغلق مقرات الأحزاب أبوابها.

وستعود الحياة إلى طبيعتها.

وعندها فقط سيكتشف الجميع من كان سياسياً طوال الموسم، ومن كان يمارس السياسة طوال السنوات.

فالصندوق لا يتأثر بالخطابات، ولا يعرف المجاملات، ولا يحفظ الولائم.

إنه لا يعرف سوى شيء واحد:

من منحه الناخب ثقته… ومن منحه درساً لن ينساه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد