صوت الصحراء
كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية، ارتفعت في الأقاليم الجنوبية حرارة المنافسة، لكن اللافت هذه المرة ليس فقط كثرة اللقاءات والوجوه الجديدة والصور المتداولة، وإنما حجم الأموال التي يُقال إنها تتحرك في الكواليس.
والسؤال الذي بدأ يفرض نفسه بقوة في الشارع ليس سؤالاً هامشياً:
من أين تأتي هذه الأموال؟ ومن يوزعها؟ ولمن تصل؟ ومن يقف وراءها؟
أسئلة مشروعة، خصوصاً عندما يظهر في المشهد أشخاص ينتعشون مع اقتراب الانتخابات، ويتحولون إلى وسطاء وسماسرة، يطوفون بين هذا المرشح وذاك، ويقدمون وعوداً بـ”تجميع الأصوات” و”ضمان الولاءات”.
إن صح ما يُتداول عن استعمال المال لاستمالة الناخبين، فنحن أمام ظاهرة تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية العادية، لأنها تمس جوهر العملية الديمقراطية وتضع إرادة المواطن أمام اختبار حقيقي.
فالناخب مواطن وليس رقماً، وصوته ليس سلعة، والانتخابات ليست مزاداً لمن يدفع أكثر.
المطلوب اليوم ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، وإنما طرح الأسئلة الصحيحة، وفتح النقاش حول مصادر تمويل الحملات، حجم الإنفاق، والجهات التي تتحمل مسؤولية مراقبته.
فإذا كانت هناك أموال تُوزع خارج الأطر القانونية، فمن حق الرأي العام أن يعرف، ومن واجب الجهات المختصة أن تتحقق.
أما سماسرة الانتخابات الذين يظهرون مع كل موسم انتخابي، فإن عليهم أن يدركوا أن المواطن أصبح أكثر وعياً، وأن الوعود والولاءات المصطنعة لا تعني بالضرورة أصواتاً داخل صناديق الاقتراع.
لقد انتهى زمن الاعتقاد بأن المال وحده يصنع النتائج.
قد يشتري المال تجمعاً، وقد يصنع صورة، وقد يحشد أشخاصاً لساعات، لكنه لا يستطيع أن يضمن ما سيكتبه الناخب داخل ورقة التصويت.
هناك، داخل صندوق الاقتراع، لا وجود للوسيط ولا للسمسار ولا للمال. هناك يوجد صوت المواطن فقط.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين من يملك المال ومن لا يملكه، وإنما بين من يراهن على المال ومن يراهن على المواطن.
ويبقى السؤال الذي لن يختفي بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية:
من أين جاءت الأموال التي تتحرك اليوم يميناً ويساراً؟ ومن المستفيد الحقيقي من “ميركاتو” الانتخابات؟