قانون المسطرة الجنائية يُدخل القضاء المغربي مرحلة ما بعد الإصلاح

 

صوت الصحراء : القسم القانوني
صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية الظهير الشريف رقم 1.25.55، القاضي بتنفيذ القانون الجديد للمسطرة الجنائية، بعد مسار تشريعي طويل وحافل بالنقاشات داخل البرلمان وخارجه. ويأتي هذا النص التشريعي لتعديل وتتميم القانون رقم 22.01، في خطوة اعتبرها المتتبعون تحولاً نوعياً في مسار إصلاح منظومة العدالة الجنائية بالمغرب، ومن المرتقب أن يدخل حيز التنفيذ بعد مرور ثلاثة أشهر من تاريخ نشره، حيث تراهن الحكومة من خلاله على تحقيق توازن دقيق بين سلطة الدولة في إنفاذ القانون وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم، وذلك في انسجام تام مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة والمبادئ الكونية لحقوق الإنسان التي التزم بها المغرب دولياً.

القانون الجديد حمل جملة من المقتضيات التي تروم تعزيز الضمانات القانونية والقضائية، من أبرزها التنصيص على ترشيد الاعتقال الاحتياطي، بجعله تدبيراً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا وفق شروط صارمة ومعللة، مع تقليص مدده الزمنية، وإقرار إمكانية الطعن في شرعيته، ما من شأنه تقليص حالات الاعتقال التعسفي وتخفيف العبء على المؤسسات السجنية، كما نص القانون على إلزامية إشعار أقارب الموقوفين بحالتهم، وإقرار الحضور الفعلي للدفاع منذ المراحل الأولى للأبحاث، وهو ما يشكل تحولا جوهريا في تكريس مبدأ المحاكمة العادلة كما نصت عليه المواثيق الدولية، لاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

في سياق موازٍ، جاء القانون بمقتضيات جديدة لمكافحة الجريمة المنظمة، من خلال السماح باستعمال تقنيات البحث الخاصة، كالاختراق والتتبع والمراقبة الإلكترونية، لكن ضمن شروط قانونية دقيقة وتحت رقابة قضائية صارمة، تفادياً لأي تجاوزات محتملة. ويشكل هذا التوجه جزءاً من استراتيجية أوسع تتبناها الدولة لتعزيز الأمن العام ومكافحة شبكات الإجرام العابر للحدود، بما يتماشى مع التحولات الإقليمية والتحديات المرتبطة بتهريب المخدرات والاتجار بالبشر والإرهاب.

القانون أولى اهتماماً كبيراً لحقوق الضحايا، حيث أقر إشعارهم بمراحل تطور القضايا التي تهمهم، وضمان استفادتهم من المساعدة القانونية والدعم الاجتماعي، لاسيما النساء والأطفال، كما أقر تكوين خلايا للتكفل بهذه الفئات داخل المحاكم، انسجاماً مع التزامات المغرب الدولية في مجال مناهضة العنف ضد النساء وحماية حقوق الطفل. وأكد النص بشكل واضح مبدأ قرينة البراءة، ونص صراحة على أن الصمت لا يمكن أن يُفسر على أنه إقرار بالتهمة، وهي من الضمانات الأساسية التي طالما نادت بها الجمعيات الحقوقية والمراقبون الدوليون.

أحد أبرز التحولات التي جاء بها النص يتمثل في رفع سن الرشد الجنائي إلى 18 سنة، مع إحداث هيئات قضائية متخصصة للنظر في قضايا الأحداث، وهو ما يمثل انسجاماً مع اتفاقية حقوق الطفل، ويترجم توجها نحو عدالة جنائية تركز على إعادة الإدماج والوقاية بدل الزجر فقط، في أفق تقليص نسب العود وخلق بيئة قانونية أكثر عدلاً وإنصافاً.

في المقابل، أثارت المادة السابعة من القانون جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية، إذ اشترطت على الجمعيات الراغبة في التقاضي الحصول على صفة المنفعة العامة، فضلاً عن الإذن المسبق من وزارة العدل، وفق ضوابط سيُحددها نص تنظيمي لاحقاً، ما اعتبره العديد من الفاعلين المدنيين تقييداً غير مبرر لدور المجتمع المدني في تتبع ملفات الفساد والمال العام، وتراجعاً عن مكتسبات مهمة كرّسها دستور 2011، الذي ينص على ديمقراطية تشاركية ومواطنة فاعلة. ورداً على هذه الانتقادات، أكدت وزارة العدل أن هذا الإجراء يرمي إلى ضبط آليات التقاضي ومنع الاستغلال السياسي أو الشعبوي للملفات ذات الطبيعة الجنائية.

في تعليقه على صدور القانون، صرح وزير العدل عبد اللطيف وهبي بأن هذا النص يشكل ركيزة أساسية في مسار الإصلاحات الكبرى التي تعرفها المملكة، ويعكس ثقة الدولة في مؤسساتها، وقدرتها على بناء منظومة عدالة حديثة وفعالة، مضيفاً أن إصلاح المسطرة الجنائية يُعزز من جاذبية المغرب كوجهة استثمارية وقانونية، خاصة في ظل استحقاقات كبرى كاحتضان المملكة لكأس العالم 2030، حيث يشكل الأمن القضائي رافعة أساسية لجذب الاستثمارات وتعزيز صورة البلاد دولياً.

ويُعد هذا الإصلاح جزءاً من ورش استراتيجي شامل تشرف عليه وزارة العدل، يشمل مراجعة مدونة القانون الجنائي، وتحيين القوانين المنظمة للمهن القضائية، وتسريع رقمنة المحاكم، بغية التأسيس لمنظومة عدالة ناجعة وشفافة في خدمة المواطن، وبما يضمن استمرارية الثقة في القضاء باعتباره أحد أعمدة دولة القانون. ويأتي هذا التوجه في إطار تنزيل النموذج التنموي الجديد، الذي جعل من العدالة محوراً رئيسياً لتحقيق التنمية المستدامة، والحد من الفوارق، وتحسين علاقة المواطن بالإدارة القضائية.

ورغم الإشادة الواسعة بالمضامين المتقدمة التي تضمنها النص الجديد، إلا أن بعض المقتضيات ما تزال محط نقاش مجتمعي وقانوني، ما يؤكد أن ورش العدالة الجنائية لا يقتصر على التشريع فقط، بل يقتضي مواكبة مجتمعية وقضائية لضمان التطبيق السليم وتأهيل الموارد البشرية وتمكين القضاة والمحامين من الأدوات التكوينية الكفيلة بترجمة هذه النصوص إلى واقع ملموس داخل قاعات المحاكم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد