نبيلة منيب.. من مدرجات الجامعة إلى قيادة اليسار المغربي والبرلمان

صوت الصحراء

تعد نبيلة منيب واحدة من أبرز الوجوه النسائية في اليسار المغربي، إذ جمعت على مدى عقود بين العمل الأكاديمي والنقابي والسياسي، وانتقلت من مجال البحث والتدريس الجامعي إلى قيادة حزب سياسي، ثم إلى المؤسسة التشريعية، في مسار جعلها من الشخصيات الحاضرة في النقاش العمومي المغربي.

وُلدت نبيلة منيب في 14 فبراير 1960 بمدينة الدار البيضاء، ونشأت في أسرة متوسطة ضمن عائلة تضم ثمانية إخوة. وارتبطت نشأتها، بحسب سيرتها المتداولة، بمدينة الدار البيضاء، حيث تلقت تعليمها الأولي والثانوي قبل أن تتجه إلى التعليم العالي، الذي شكل لاحقاً أحد أهم مرتكزات مسارها المهني والسياسي.

اختارت منيب المجال العلمي والطبي مساراً لتكوينها الأكاديمي، قبل أن تنتقل إلى فرنسا لمواصلة دراستها العليا، حيث تخصصت في مجال علم الغدد الصم، وهو تخصص طبي يرتبط بدراسة الغدد والهرمونات وتأثيراتها على وظائف الجسم. وحصلت على تكوين جامعي متخصص في هذا المجال، قبل أن تعود إلى المغرب لمواصلة مسارها المهني والأكاديمي.

وقد ارتبط اسمها لاحقاً بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث اشتغلت أستاذة جامعية في مجال علم الغدد الصم، لتجمع بذلك بين التدريس الجامعي والبحث العلمي. ويعكس هذا المسار جانباً مهماً من تكوينها، إذ ظلت الخلفية الأكاديمية حاضرة في شخصيتها العامة وطريقة تناولها للقضايا التي تشتغل عليها.

ولم يكن المسار الجامعي بالنسبة إلى منيب منفصلاً عن انخراطها في القضايا الاجتماعية والمهنية، فقد بدأت منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي في الاهتمام بالعمل النقابي والسياسي، خصوصاً داخل النقابة الوطنية للتعليم العالي. ومع مرور الوقت، انتقلت من المشاركة النقابية إلى تحمل مسؤوليات تنظيمية، من بينها مسؤوليات على المستوى الجهوي والوطني.

وشكلت الجامعة بالنسبة إليها فضاءً للتكوين العلمي، لكنها كانت أيضاً مجالاً للاحتكاك بقضايا التعليم العالي والبحث العلمي وأوضاع الأساتذة والجامعة المغربية، وهو ما ساهم في بلورة اهتمامها بالشأن العام، قبل أن يتحول هذا الاهتمام إلى ممارسة سياسية منظمة.

وفي 16 يناير 2012، انتُخبت نبيلة منيب أمينة عامة للحزب الاشتراكي الموحد، لتصبح أول امرأة مغربية تتولى قيادة حزب سياسي، وهي محطة شكلت منعطفاً مهماً في مسارها وفي حضور المرأة داخل المشهد الحزبي المغربي.

ومن موقعها الحزبي، عُرفت منيب بخطاب سياسي واضح ومباشر، وبمواقف تنتصر في مجملها لقضايا العدالة الاجتماعية والديمقراطية والحريات العامة والمساواة، إضافة إلى انتقاد عدد من السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية.

كما جعلها حضورها الإعلامي وخطابها السياسي من الوجوه المعروفة لدى الرأي العام، خصوصاً من خلال مشاركاتها في النقاشات المتعلقة بالشأن السياسي والاجتماعي، حيث غالباً ما تعتمد لغة نقدية وتطرح مواقفها بشكل مباشر، سواء تجاه الحكومة أو تجاه مكونات المشهد السياسي.

وفي مرحلة لاحقة، خاضت منيب تجربة العمل البرلماني، وانتُخبت عضواً في مجلس النواب، لتنتقل بذلك من قيادة حزب سياسي خارج المؤسسة التشريعية إلى ممارسة الرقابة البرلمانية والمساهمة في مناقشة مشاريع القوانين والسياسات العمومية.

وخلال تجربتها البرلمانية، ارتبط حضورها بعدد من الملفات الاجتماعية والسياسية، كما واصلت طرح قضايا مرتبطة بالقدرة الشرائية، والخدمات العمومية، والتعليم والصحة، والعدالة الاجتماعية، والحريات، إضافة إلى قضايا الإصلاح السياسي والمؤسساتي.

وتتميز تجربة نبيلة منيب بتداخل ثلاثة مسارات رئيسية: المسار الأكاديمي، والمسار النقابي، والمسار السياسي. فالتكوين العلمي منحها خلفية مهنية وأكاديمية، بينما وفر لها العمل النقابي فرصة للاحتكاك المباشر بقضايا الشغيلة والجامعة، قبل أن تنتقل إلى العمل الحزبي والمؤسساتي.

كما أن تكوينها في مجال علم الغدد الصم جعلها مختلفة عن الصورة التقليدية لبعض الوجوه السياسية، إذ انتقلت من تخصص علمي دقيق إلى مجال السياسة والعمل العام، مع المحافظة على ارتباطها بالمجال الجامعي.

ولا يمكن فصل مسارها السياسي عن التحولات التي عرفها اليسار المغربي خلال العقود الأخيرة، خصوصاً النقاش المتعلق بوحدة القوى اليسارية، والتحالفات السياسية، والمشاركة في المؤسسات المنتخبة، ومدى قدرة الأحزاب اليسارية على تجديد خطابها وتوسيع قاعدتها الانتخابية.

وقد كانت منيب طرفاً في هذا النقاش، سواء من خلال مواقفها داخل الحزب الاشتراكي الموحد أو من خلال حضورها في المشهد السياسي والإعلامي. كما عُرفت بمواقفها المنتقدة لبعض الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، ودفاعها عن دور أكبر للدولة في توفير الخدمات الأساسية وضمان العدالة الاجتماعية.

وعلى المستوى الشخصي والمهني، تكشف سيرتها عن مسار بدأ من الأسرة والتعليم بمدينة الدار البيضاء، ثم انتقل إلى التكوين الجامعي المتخصص في فرنسا، قبل العودة إلى المغرب والانخراط في التدريس الجامعي والعمل النقابي، ثم التدرج في العمل السياسي وصولاً إلى قيادة حزب والولوج إلى البرلمان.

ويكتسي جانبها الأكاديمي أهمية خاصة في قراءة شخصيتها، فالتكوين العلمي والعمل الجامعي جعلاها حاضرة في قضايا التعليم والبحث العلمي، كما أن تجربتها داخل الجامعة ساهمت في ربط خطابها السياسي بعدد من الملفات الاجتماعية والمهنية المرتبطة بالطبقة الوسطى والموظفين والأساتذة والطلبة.

وبعيداً عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لها، فإن مسار نبيلة منيب يمثل تجربة سياسية وأكاديمية امتدت لعدة عقود، جمعت خلالها بين مهنة الأستاذة الجامعية والعمل النقابي والقيادة الحزبية والعمل البرلماني.

كما أن وصولها إلى قيادة حزب سياسي باعتبارها أول امرأة مغربية تتولى هذه المسؤولية شكل محطة لافتة في تاريخ المشاركة النسائية في الحياة الحزبية، في وقت كان حضور النساء في مواقع القرار الحزبي لا يزال محدوداً مقارنة بحجم مشاركتهن المتزايد في مختلف المجالات.

وفي المحصلة، تقدم نبيلة منيب نموذجاً لمسار بدأ بالتكوين العلمي والتخصص الأكاديمي، مروراً بالعمل الجامعي والنقابي، وانتهى إلى قيادة حزبية وممارسة برلمانية. وبين هذه المحطات، حافظت على حضورها في النقاش العمومي المغربي، وظلت مواقفها وخطاباتها جزءاً من النقاش حول قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات ومستقبل اليسار المغربي.

ويبقى تقييم تجربتها السياسية مرتبطاً، من جهة، بحضورها الشخصي وخطابها ومواقفها، ومن جهة أخرى، بقدرة التيار السياسي الذي تنتمي إليه على توسيع حضوره المؤسساتي والانتخابي، وتجديد أدواته وخطابه بما يتلاءم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد