صوت الصحراء:القسم السياسي
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية لسنة 2026، تتجه الأنظار إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة، التي تمثل إحدى أكثر الساحات الانتخابية خصوصية داخل المشهد السياسي المغربي، بالنظر إلى تداخل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإلى المكانة التي تحتلها هذه الجهات في الأوراش التنموية الكبرى التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وتأتي هذه الاستحقاقات في سياق يختلف عن المحطات السابقة، إذ تشهد الساحة السياسية حركية متواصلة داخل عدد من الأحزاب، تتمثل في إعادة ترتيب الهياكل التنظيمية، واستقطاب شخصيات جديدة، وإجراء مشاورات بشأن التحالفات والمرشحين، وهي دينامية ترافق عادة اقتراب المواعيد الانتخابية، دون أن تعني بالضرورة تغيرًا جذريًا في الخريطة السياسية.
ويرى باحثون في العلوم السياسية أن خصوصية الانتخابات بالأقاليم الجنوبية تكمن في أن سلوك الناخب لا يتحدد بعامل واحد، بل يتأثر بمجموعة من العناصر المتداخلة، من بينها البرامج الانتخابية، وحصيلة المنتخبين، والقرب من المواطنين، والقدرة على الترافع عن قضايا الجهة، إضافة إلى الاعتبارات الاجتماعية والمحلية التي تختلف من إقليم إلى آخر.
وتشمل الأقاليم الجنوبية دائرتين جهويتين أساسيتين هما جهة العيون الساقية الحمراء، التي تضم أقاليم العيون والسمارة وبوجدور وطرفاية، وجهة الداخلة وادي الذهب، التي تضم إقليمي الداخلة وأوسرد. ورغم اختلاف الخصوصيات المحلية، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في أن المنافسة الانتخابية ترتبط غالبًا بقدرة الأحزاب على تقديم مرشحين يحظون بحضور ميداني وثقة محلية، إلى جانب قدرتها على تقديم برامج تستجيب لأولويات الساكنة.
في جهة العيون الساقية الحمراء، ينتظر أن تشهد المنافسة مستوى مرتفعًا من التعبئة السياسية، بالنظر إلى ثقل الجهة انتخابيًا ورمزيتها السياسية. أما في السمارة وبوجدور وطرفاية، فإن طبيعة الدوائر وحجم الهيئة الناخبة يجعلان أي تغير في التحالفات أو الترشيحات قادرًا على التأثير في النتائج، خصوصًا عندما تكون المنافسة متقاربة.
أما جهة الداخلة وادي الذهب، فتدخل هذه الانتخابات في ظل استمرار تنفيذ مشاريع استراتيجية، من أبرزها ميناء الداخلة الأطلسي، وتوسيع الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وتطوير البنيات اللوجستية وقطاع الصيد البحري، وهي مشاريع ينتظر أن تكون حاضرة بقوة في النقاش الانتخابي، إلى جانب ملفات التشغيل، والاستثمار، والسكن، والخدمات الأساسية.
ويجمع عدد من المحللين على أن البرامج الانتخابية ستواجه هذه المرة اختبارًا أكبر من الدورات السابقة، في ظل ارتفاع سقف انتظارات المواطنين، وتزايد المطالب بربط الوعود الانتخابية بآجال واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، خاصة بعد إطلاق النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي رُصدت له استثمارات مهمة بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كما يتوقع أن تلعب القضايا الاقتصادية دورًا محوريًا في توجيه اختيارات الناخبين، في ظل استمرار النقاش حول القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، وتشجيع الاستثمار، وتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتأهيل البنيات التحتية، وتطوير النقل والخدمات الرقمية، إضافة إلى القضايا المرتبطة بالصيد البحري وتثمين الموارد الطبيعية.
ومن المرتقب أيضًا أن يكون للشباب حضور أكبر في هذه الانتخابات، سواء باعتبارهم ناخبين أو مرشحين أو فاعلين في الحملات الانتخابية عبر المنصات الرقمية، وهو ما يفرض على الأحزاب تطوير أساليب تواصلها، وتقديم تصورات أكثر قربًا من تطلعات الأجيال الجديدة. كما ينتظر أن يستمر النقاش حول تعزيز مشاركة النساء في المؤسسات المنتخبة، باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية على توسيع المشاركة السياسية.
وفي المقابل، يظل موضوع نزاهة الانتخابات حاضرًا في النقاش العمومي مع كل استحقاق. وينص القانون المغربي على تجريم شراء الأصوات واستعمال أي وسائل غير مشروعة للتأثير في إرادة الناخبين، كما تنص القوانين الانتخابية على عقوبات في حق المخالفين. وتؤكد وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة، في مختلف الاستحقاقات، اعتماد آليات لتتبع المخالفات وتلقي الشكايات، مع تمكين القضاء من البت في الطعون والنزاعات الانتخابية وفقًا للقانون.
وفي هذا السياق، يشدد خبراء في القانون الدستوري والانتخابي على ضرورة التمييز بين النقاش السياسي والوقائع المثبتة، إذ إن أي ادعاءات تتعلق باستعمال المال أو ارتكاب مخالفات انتخابية لا يمكن اعتبارها حقائق إلا إذا ثبتت من خلال المساطر القانونية والأحكام القضائية، وهو ما ينسجم مع مبدأ قرينة البراءة وسيادة القانون.
ومن العوامل التي قد تؤثر في الاستحقاقات المقبلة أيضًا، تنامي دور الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فضاءً رئيسيًا للنقاش السياسي، وعرض البرامج، ومراقبة الأداء، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات مرتبطة بمكافحة الأخبار المضللة، والتحقق من صحة المعلومات، وضمان احترام الضوابط القانونية للحملات الانتخابية.
وتشير التجارب الانتخابية السابقة إلى أن نسبة المشاركة تشكل عنصرًا حاسمًا في رسم النتائج، إذ إن ارتفاعها قد يفتح المجال أمام تغيرات في موازين القوى، بينما تميل نسب المشاركة المنخفضة إلى تعزيز فرص المرشحين الذين يمتلكون قواعد انتخابية أكثر تنظيمًا وقدرة على التعبئة.
وفي ظل المعطيات الحالية، يصعب تقديم توقعات دقيقة بشأن مآلات المنافسة، لأن النتائج ستتأثر بعوامل متعددة، منها اللوائح النهائية للمرشحين، والتحالفات التي ستتبلور قبل الحملة الانتخابية، وطبيعة البرامج المقدمة، ومستوى الإقبال على التصويت. لذلك، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، سواء تعلق الأمر باستمرار بعض القوى السياسية في الحفاظ على مواقعها، أو بحدوث تغيرات جزئية أو أوسع في الخريطة البرلمانية.
وتؤكد التجارب الديمقراطية أن نجاح أي انتخابات لا يقاس فقط بنتائجها، وإنما أيضًا بمدى احترام قواعد المنافسة الشريفة، وضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ يكرسها دستور المملكة والقوانين المنظمة للانتخابات.
تعليقات الزوار