الداخلة تتسع للجميع.. فلا تجعلوا الانتخابات عنواناً للانقسام

صوت الصحراء :القسم السياسي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، تبدو بعض الخطابات المتداولة في الداخلة وكأنها تحاول إعادة النقاش السياسي إلى منطقة لا ينبغي أن يكون فيها: منطقة الأصل والانتماء الاجتماعي، بدل البرامج والكفاءة والحصيلة.
والأخطر من ذلك أن تتحول المنافسة الانتخابية إلى محاولة لرسم حدود وهمية بين أبناء المدينة، وتصنيف السكان إلى “أصيل” و”وافد”، وكأن المواطنة درجات، أو وكأن الحق في المشاركة في الشأن العام يحتاج إلى شهادة في النسب أو تاريخ عائلي.
الداخلة، التي عرفت على امتداد عقود تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة، لم تُبنَ بجهد فئة واحدة. فقد ساهم في بناء حاضرها ومستقبلها رجال ونساء من أصول ومناطق مختلفة، جمعهم الاستقرار والعمل وخدمة المدينة والإيمان بمستقبلها.
ومن غير المقبول أن تتحول هذه الحقيقة إلى مادة للمزايدة خلال الحملات الانتخابية، أو أن يستعمل الأصل العائلي وسيلة للتقليل من قيمة مواطن اختار الداخلة موطناً له، واستثمر فيها، واشتغل بها، وربى أبناءه فيها، وساهم من موقعه في تنميتها.
السياسة الحقيقية لا تسأل المواطن عن شجرة العائلة، وإنما تسأله عن قدرته على تحمل المسؤولية. والناخب بدوره من حقه أن يعرف ماذا سيقدم المرشح للداخلة ووادي الذهب، وكيف سيدافع عن مصالحها، وما الذي سيقترحه للشباب والنساء، وكيف سيساهم في جلب الاستثمار وخلق فرص الشغل، وماذا سيحمل من ملفات الجهة إلى البرلمان ومؤسسات القرار.
أما تحويل الانتخابات إلى مناسبة للنبش في الأصول، وتبادل رسائل الإقصاء، وإيهام الناس بأن بعضهم أحق بالمدينة من بعض، فإنه لا يخدم التنمية ولا العملية الديمقراطية، بل يفتح الباب أمام حساسيات اجتماعية لا تحتاجها الداخلة.
والأصل في الانتخابات أن تكون مناسبة لمحاسبة الحصيلة ومقارنة البرامج والكفاءات، لا مناسبة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية تحت غطاء الخطاب السياسي.
لقد علمتني تجربتي المهنية داخل جهة الداخلة وادي الذهب أن المدينة لا يمكن أن تتقدم بمنطق “نحن” و”هم”. فالمشاريع لا تسأل عن أصول أصحابها، والمؤسسات لا تشتغل بمنطق القبيلة أو العائلة، والتنمية لا تفرق بين مواطن وآخر عندما يتعلق الأمر بخدمة الصالح العام.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق جميع المتنافسين: الأحزاب والمرشحين والفاعلين السياسيين، بأن يرفعوا مستوى الخطاب، وأن يقدموا للناخبين ما يستحقونه من برامج وأفكار وحلول، بدل تغذية نقاشات جانبية قد تمنح الحملة الانتخابية بعض الإثارة، لكنها تترك آثاراً لا تخدم المدينة.
فالداخلة ليست ملكاً انتخابياً لأحد، وليست امتيازاً عائلياً أو مجالاً محصوراً في فئة دون أخرى. هي مدينة لكل من يعيش فيها ويساهم في مستقبلها، وهي جزء من وطن تتسع فيه المواطنة للجميع.
وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي للناخب: ليس على أساس من سبق الآخر إلى المدينة، ولا على أساس اسم العائلة أو مكان الميلاد، وإنما على أساس ما قدمه المرشح وما يستطيع أن يقدمه.
الداخلة أكبر من حملة انتخابية، وأكبر من حزب، وأكبر من أي مرشح. ومن يحب هذه المدينة حقاً، عليه أن يعمل على جمع أبنائها لا تقسيمهم، وعلى بناء مستقبلهم لا إعادة فتح خلافات الماضي.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد