صوت الصحراء :القسم السياسي
موقف فاطمة الزهراء المنصوري يلتقي مع أصوات داخل “البام”.. والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية يدخلون دائرة الحسابات
أعاد الموقف الرافض لمشاركة حزب التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة ترتيب أوراق المشاورات السياسية، بعدما تحول النقاش داخل حزب الأصالة والمعاصرة من مجرد تباين في وجهات النظر إلى موقف معلن تتقاطع حوله رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري وأصوات وازنة داخل المجلس الوطني للحزب.
وخلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لـ”البام”، المنعقدة اليوم السبت بالصخيرات، عبّر هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي، بشكل صريح عن رفضه التحالف مع الأحرار، داعياً أعضاء المجلس إلى مساندة هذا التوجه، ومعتبراً أن نتائج الانتخابات حملت رسائل سياسية ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند بناء الأغلبية الحكومية المقبلة. وقد تفاعل عدد من أعضاء المجلس مع مداخلته بالتصفيق، فيما تبنت نادية بوزندوفة، البرلمانية السابقة، الموقف ذاته، معتبرة أن التحالف مع الأحرار سيكون “مجانبا للصواب”.
وفي مقابل هذا التوجه، دعا الخطاط ينجا، عضو المكتب السياسي، إلى عدم إقصاء أي طرف بشكل مسبق، وترك هامش المناورة للجنة المكلفة بالمشاورات، محذراً من أن وضع شروط مسبقة قد يحد من قدرة المفاوضين على الوصول إلى صيغة توافقية.
غير أن موقف المنصوري منح النقاش بعداً آخر، بعدما أكدت أن موقفها من مشاركة الأحرار كان واضحاً قبل انعقاد الدورة، وأن الرسالة التي عبّر عنها أعضاء المجلس الوطني بخصوص الحزب وصلت إليها. ويعني ذلك أن احتمال إعادة إنتاج التحالف الثلاثي الذي جمع خلال الولاية السابقة “البام” والأحرار والاستقلال لم يعد خياراً محسومًا كما كان متداولاً في بداية المشاورات.
وفي حال استقر القرار على استبعاد الأحرار، فإن الأنظار ستتجه بشكل أكبر إلى حزب الاستقلال، الذي يتوفر على 66 مقعداً، ويشكل إلى جانب “البام” أحد الأعمدة المحتملة للأغلبية المقبلة. ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الأمين العام للاستقلال، نزار بركة، خلال اجتماع حزبه اليوم، اطلاعه على التطورات المرتبطة بموقف المجلس الوطني لـ”البام” من مشاركة الأحرار.
وتفرض الأرقام البرلمانية نفسها بقوة على مسار المشاورات؛ فالأصالة والمعاصرة يتوفر على 97 مقعداً، والاستقلال على 66، ما يمنح الحزبين معاً 163 مقعداً، في حين تحتاج الأغلبية إلى 198 مقعداً على الأقل. وإضافة الحركة الشعبية، صاحبة 29 مقعداً، ترفع العدد إلى 192، أي أقل بستة مقاعد من الأغلبية المطلوبة، بينما يمكن لإضافة الاتحاد الدستوري، صاحب 17 مقعداً، أن ترفع مجموع هذه التركيبة إلى 209 مقاعد.
كما تبرز ورقة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يتوفر على 26 مقعداً، ضمن الحسابات المحتملة، خصوصاً في ظل الاستعداد المعلن للمشاركة في الحكومة المقبلة. ويضاف إلى ذلك التقدم والاشتراكية، صاحب 19 مقعداً، إلى جانب أحزاب أخرى يمكن أن تصبح حاسمة في استكمال الأغلبية.
وبذلك، فإن استبعاد الأحرار لا يغلق الطريق أمام تشكيل الحكومة من الناحية العددية، لكنه يجعل بناء الأغلبية أكثر تعدداً، ويفتح الباب أمام مفاوضات مع عدد أكبر من الأحزاب، وهو ما قد ينعكس على البرنامج الحكومي وعلى توزيع المسؤوليات والحقائب.
وفي المقابل، لا يبدو أن التجمع الوطني للأحرار قد أغلق باب المشاركة، إذ أعلن استعداده للمساهمة في الحكومة المقبلة ومواصلة الأوراش التي انطلقت خلال الولاية السابقة. وهو ما يضع الحزب أمام وضعية سياسية دقيقة: استعداد للمشاركة من جهة، ورفض متزايد داخل الحزب المكلف بتشكيل الحكومة من جهة أخرى.
وتكشف هذه التطورات أن المعركة الحالية لا تدور فقط حول دخول هذا الحزب أو ذاك إلى الحكومة، وإنما حول شكل الأغلبية المقبلة وهندستها السياسية. فإذا تم استبعاد الأحرار، فإن المنصوري ستكون مطالبة ببناء تحالف أوسع من أربعة أحزاب أو أكثر، وهو ما يمنح الأحزاب المتوسطة وزناً تفاوضياً أكبر ويجعل الوصول إلى اتفاق نهائي أكثر ارتباطاً بالتوازن بين الحسابات العددية والمطالب السياسية.
وبين رغبة داخل “البام” في إعطاء معنى سياسي لنتائج الانتخابات، وضرورة تأمين أغلبية برلمانية مستقرة، تدخل مشاورات تشكيل الحكومة مرحلة أكثر تعقيداً. ويبقى السؤال المطروح خلال الأيام المقبلة هو ما إذا كانت المنصوري ستتمكن من تثبيت صيغة حكومية تستبعد الأحرار وتجمع العدد الكافي من النواب، أم أن منطق التفاوض سيعيد ترتيب مواقف الأحزاب ويفتح الباب أمام صيغة مختلفة للأغلبية المقبلة.
تعليقات الزوار