صوت الصحراء :القسم السياسي
في الداخلة، بدأت الأحزاب تعدّ الرؤوس قبل أن يبدأ الصندوق في عدّ الأصوات.
ثلاثة آلاف هنا، أربعة آلاف وخمسمائة هناك، ثم رقم يتجاوز اثني عشر ألفاً في مهرجان آخر. هكذا أصبح حجم الحشد جزءاً من المعركة الانتخابية، وأصبحت الصور القادمة من الخيام أشبه برسائل سياسية موجهة إلى الخصوم قبل الناخبين.
التجمع الوطني للأحرار يتحدث عن نحو ثلاثة آلاف حاضر، وحزب الاستقلال عن أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة، فيما ظهر حزب الأصالة والمعاصرة بحشد قُدّر بحوالي اثني عشر ألفاً.
المجموع: قرابة 19 ألفاً و500 شخص.
رقم ضخم على الورق، ومشهد لا يمكن تجاهله سياسياً، لكنه لا يزال مجرد رقم في مهرجانات انتخابية، وليس نتيجة اقتراع.
وهنا بالضبط تبدأ اللعبة الحقيقية.
فمن السهل نسبياً أن تجمع الناس في خيمة؛ الأصعب أن تجعلهم يضعون الورقة نفسها في الصندوق بعد أسابيع.
ومن السهل أن تمتلئ المنصة بالتصفيق؛ الأصعب أن تتحول تلك الهتافات إلى أصوات محسوبة في محاضر الفرز.
الحشد رسالة، لكنه ليس تفويضاً.
والذين يتعاملون مع المهرجانات باعتبارها استطلاعاً للرأي قد يرتكبون خطأً كبيراً.
فلنعد قليلاً إلى الوراء.
في تشريعيات 2021، تصدر حزب الاستقلال دائرة وادي الذهب بحوالي 11 ألفاً و611 صوتاً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على نحو 6 آلاف و497 صوتاً، فيما لم يتجاوز الأصالة والمعاصرة حوالي 2707 أصوات.
اليوم تغيرت الخريطة.
تحركت المواقع، تغيرت التحالفات، وبرزت أسماء جديدة، فيما انتقلت شخصيات سياسية من مواقع حزبية إلى أخرى.
وهنا يأتي الاختبار الأكثر إثارة للانتباه بالنسبة إلى الخطاط ينجا.
الرجل يدخل المرحلة الجديدة وهو يحمل خلفه رقماً انتخابياً ثقيلاً: أكثر من 11 ألف صوت في الاستحقاق السابق.
لكن السؤال هذه المرة ليس كم شخصاً يستطيع أن يجمع حوله في مهرجان، بل:
هل الرصيد الانتخابي الذي ظهر في 2021 كان رصيد شخص، أم حزب، أم شبكة من العلاقات والالتزامات الانتخابية؟
الجواب لن تقدمه المنصة.
سيقدمه الصندوق.
والاختبار ذاته ينتظر كل الأحزاب.
الأصالة والمعاصرة أمام مهمة إثبات أن الحشد الكبير الذي ظهر في مهرجانه يعكس تحولاً انتخابياً حقيقياً، والاستقلال أمام تحدي الحفاظ على موقعه المتقدم، والأحرار أمام ضرورة تحويل حضوره التنظيمي والسياسي إلى أصوات فعلية.
لكن هناك معركة أخرى تجري بعيداً عن الكاميرات.
معركة الناخب الصامت.
ذلك المواطن الذي لا يظهر في الصور، ولا يصعد إلى المنصة، ولا يرفع لافتة، ولا يدخل بالضرورة إلى المهرجان، لكنه في يوم الاقتراع يمسك القلم ويقرر.
وهذا الناخب تحديداً قد يكون صاحب الكلمة الفصل.
لذلك، فإن من يملك أكبر خيمة ليس بالضرورة من يملك أكبر كتلة انتخابية.
ومن يملأ الساحة اليوم ليس بالضرورة من سيملأ محاضر الفرز غداً.
فالقوة الانتخابية الحقيقية تقاس بقدرة الحزب على التنظيم، والتواصل، والإقناع، والحفاظ على أنصاره، والوصول إلى الناخبين الذين لا تظهر أسماؤهم في الصور الجماعية.
وفي السياسة، هناك فرق كبير بين الحضور والالتزام.
قد يحضر الشخص مهرجاناً ولا يصوت.
وقد لا يحضر المهرجان أصلاً، لكنه يكون قد حسم اختياره منذ مدة.
وهنا قد تكمن المفاجأة.
فإذا افترضنا جدلاً أن كل شخص حضر المهرجانات الثلاثة سيصوت للحزب الذي استدعاه، فإن مجموع الحشود وحده سيغير الكثير من الحسابات الانتخابية.
لكن الانتخابات لا تُدار بالافتراضات.
19 ألفاً و500 حاضر لا تعني 19 ألفاً و500 صوت.
والأرقام التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي اليوم قد تتحول ليلة النتائج إلى مجرد ذكرى جميلة لبعض المتنافسين، وإلى دليل قوة حقيقي للبعض الآخر.
لذلك، ربما يكون من الأفضل للأحزاب والمتابعين ألا يسألوا الآن:
من أقام أكبر مهرجان؟
بل:
من يملك التنظيم الذي سيجعل ناخبيه يصلون إلى الصندوق يوم الاقتراع؟
من يملك شبكة ميدانية حقيقية؟
من استطاع إقناع الناخب المتردد؟
من يستطيع الحفاظ على أصواته حتى آخر لحظة؟
ومن يملك القدرة على تحويل الشعبية الظاهرة إلى أصوات محتسبة؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد صاحبي المقعدين البرلمانيين، لا حجم الخيمة ولا عدد الكراسي ولا الصور الجوية.
في الداخلة، قد تستمر المنافسة في رفع سقف الحشود.
لكن في النهاية، سيأتي يوم تختفي فيه الخيام، وتغلق المنصات، وتصمت مكبرات الصوت.
وسيبقى صندوق واحد أمام كل ناخب.
هناك فقط ستسقط كل الأرقام الافتراضية.
وهناك فقط سيظهر من كان يملك جمهوراً…
ومن كان يملك أصواتاً.
فالخيمة تستطيع أن تصنع الضجيج، لكن الصندوق وحده يصنع النواب.