صوت الصحراء : نواكشوط
في نواكشوط، لم تعد أكوام النفايات مجرد مشهد عابر في بعض الشوارع والأحياء، بل تحولت إلى عنوان لنقاش أوسع يتعلق بجدوى عقد كبير أبرمته الحكومة الموريتانية مع شركة مغربية لتدبير قطاع يفترض أن يكون من أكثر الخدمات التصاقاً بالحياة اليومية للمواطن.
فبعد أكثر من سنة على بداية اشتغال شركة “آرما” في العاصمة الموريتانية، وجدت الحكومة نفسها مضطرة إلى رفع سقف خطابها تجاه الشركة، بعدما اعتبرت مستوى النظافة غير مقبول، ووجهت إليها إنذاراً مع التلويح باللجوء إلى الآليات القانونية والتعاقدية إذا لم يتحسن الأداء.
المفارقة أن هذا التصعيد يأتي بعد سلسلة من الإجراءات التي كان يفترض أن تمنح الشركة كل الظروف اللازمة لإنجاح تجربتها. معدات جديدة، حملات ميدانية، ووعود بتحسين مستوى الخدمة، كلها خطوات رافقت تجربة “آرما” منذ دخولها السوق الموريتانية، لكنها لم تمنع عودة ملف النظافة إلى الواجهة بهذه الحدة.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بشركة لم تنجح، وفق التقييم الحكومي، في بلوغ المستوى المطلوب، وإنما تتعلق أيضاً بعقد يمتد لعشر سنوات، ما يجعل أي اختلال في السنوات الأولى مؤشراً يستحق التوقف عنده، خصوصاً عندما تكون الخدمة موضوع العقد مرتبطة مباشرة بالصحة العامة والبيئة وصورة العاصمة.
عندما دخلت “آرما” إلى نواكشوط في صيف 2025، لم يكن الأمر مجرد صفقة تجارية عادية. فقد كانت الشركة تقدم تجربتها باعتبارها أول خطوة لها خارج المغرب، وباعتبار المشروع نموذجاً للتعاون الإفريقي جنوب ـ جنوب ونقل الخبرة المغربية في مجال تدبير النفايات إلى موريتانيا.
كان الرهان كبيراً، وكانت الوعود أكبر. أسطول حديث، تجهيزات جديدة، موارد بشرية، معالجة للنقاط السوداء، وتحسين تدريجي لمشهد النظافة في مختلف مقاطعات العاصمة.
لكن الشارع الموريتاني لا يقيس نجاح شركات النظافة بعدد الشاحنات التي تدخل الخدمة، ولا بحجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بما يراه أمام منزله وفي حيه وفي الأسواق والشوارع التي يعبرها يومياً.
وهنا تحديداً بدأ الاختبار الحقيقي.
فبعد أسابيع قليلة من انطلاق العمل، ظهرت انتقادات رسمية بشأن تراكم النفايات، واضطرت السلطات إلى مطالبة الشركة بتعزيز إمكانياتها وتسريع تدخلاتها. ثم توالت الحملات الميدانية لمعالجة النقاط السوداء، قبل أن تتحدث السلطات لاحقاً عن وجود تقدم، مع استمرار تسجيل نواقص تستوجب المعالجة.
حتى المعدات لم تكن غائبة عن المشهد. فقد جرى تعزيز أسطول الشركة بآليات وشاحنات وتجهيزات إضافية، بما يفترض أن يزيل جزءاً من المبررات المرتبطة بالقدرات اللوجستية.
ومع ذلك، عادت الحكومة اليوم إلى نقطة البداية تقريباً: الأداء غير كافٍ، الوضع مرفوض، والإنذار حاضر، والعقوبات التعاقدية أصبحت مطروحة على الطاولة.
وهذا التطور يطرح سؤالاً أكثر أهمية من سؤال النفايات نفسها: أين تكمن المشكلة؟
هل يتعلق الأمر بقدرة الشركة على تدبير هذا النوع من العقود في بيئة جديدة ومختلفة؟ أم أن طبيعة العاصمة الموريتانية وحجمها وطريقة انتشار الأحياء فيها تفرض نموذجاً مختلفاً للتدبير؟ أم أن الإشكال يرتبط أساساً بطريقة تنفيذ العقد ومراقبته وتقييمه؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من خلال الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وحدها، كما لا يمكن اختزال المسؤولية في طرف واحد من دون الاطلاع على تفاصيل دفتر التحملات ومؤشرات الأداء وآليات المراقبة والجزاءات.
لكن المؤكد أن الحكومة الموريتانية انتقلت من مرحلة الملاحظات إلى مرحلة أكثر صرامة. فحين يصبح الحديث رسمياً عن تفعيل الآليات القانونية والتعاقدية، فهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد دعوة إلى بذل مجهود إضافي، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى احترام الالتزامات التي قبلت بها الشركة منذ توقيع العقد.
وهنا تبرز أهمية قيمة الصفقة ومدتها. فالعقد الذي يمتد لعشر سنوات ليس تجربة قصيرة يمكن تجاوز تعثرها باعتباره مرحلة انتقالية. إنه التزام طويل الأمد، والخدمات التي يقدمها يجب أن تكون قابلة للقياس والتقييم بشكل دوري.
كما أن قيمة العقد تجعل المواطن الموريتاني محقاً في طرح سؤال بسيط: ماذا يحصل عليه مقابل هذه الصفقة؟
فالإنفاق العمومي لا يقاس بما يرد في العقود من أرقام، وإنما بما يتحول من تلك الأرقام إلى خدمات ملموسة على الأرض.
ومن زاوية أخرى، فإن ما يحدث في نواكشوط يحمل بعداً يتجاوز “آرما” نفسها. فنجاح التجربة أو تعثرها ستكون له انعكاسات على صورة الشركات المغربية التي تبحث عن فرص في الأسواق الإفريقية، خصوصاً أن المغرب يقدم التعاون جنوب ـ جنوب باعتباره أحد مرتكزات حضوره الاقتصادي في القارة.
ولهذا فإن تجربة “آرما” في موريتانيا ليست شأناً تجارياً محضاً. إنها أيضاً اختبار لقدرة شركة مغربية على الاشتغال في سوق إفريقية جديدة، وفهم خصوصياتها، والتكيف مع حاجياتها، وتحويل الخبرة المتراكمة في المغرب إلى خدمة ناجحة خارج الحدود.
وفي المقابل، فإن الحكومة الموريتانية مطالبة هي الأخرى بأن تضمن وضوح قواعد اللعبة، وأن تكون المراقبة مبنية على معايير موضوعية وقابلة للقياس، وأن تكون المسؤوليات محددة بدقة، حتى لا يتحول ملف النظافة إلى مجرد تبادل للاتهامات بين الشركة والسلطات.
المطلوب في النهاية ليس الدفاع عن “آرما” ولا مهاجمتها، وإنما معرفة الحقيقة على الأرض: هل تفي الشركة بالتزاماتها أم لا؟
إذا كانت لا تفي بها، فالعقد يجب أن يطبق، والجزاءات يجب أن تكون لها وظيفة تصحيحية واضحة. وإذا كانت هناك عراقيل خارجة عن إرادة الشركة، فمن حقها أن تطرحها أمام الجهات المختصة، وأن تتم معالجتها وفق ما ينص عليه العقد.
أما المواطن، فلا تعنيه كثيراً كل هذه التفاصيل القانونية والتجارية. ما يعنيه هو أن يجد مدينة نظيفة وخدمة منتظمة ونظاماً فعالاً لجمع النفايات.
ومن هنا يمكن القول إن الإنذار الموريتاني لشركة “آرما” قد يكون أكثر من مجرد إجراء إداري. إنه لحظة اختبار حقيقية لعقد طويل الأمد، ولطريقة تدبير الخدمات العمومية، ولقدرة الشراكات الاقتصادية المغربية ـ الموريتانية على الانتقال من لغة الوعود والاستثمارات إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.
ففي نهاية المطاف، نجاح أي شركة للنظافة لا يقاس بما تقوله في بداية الصفقة، ولا بعدد الآليات التي تستعرضها عند الانطلاق، وإنما بما يبقى نظيفاً عندما تغادر الكاميرات المكان.