بقلم :محمد فاضل حمنة
الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، ولا مجرد إعلان نتائج، بل هي منظومة قيم تقوم على المساواة بين المواطنين، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالكفاءة والمحاسبة. لذلك، فإن أي ممارسة تجعل الانتماء العائلي أو القبلي يتقدم على الكفاءة تطرح سؤالاً جوهرياً حول جودة التمثيل السياسي، حتى وإن تمت داخل الإطار القانوني.
في الأقاليم الصحراوية، للقبيلة مكانتها التاريخية والاجتماعية، ولا يمكن إنكار دورها في حفظ التماسك الاجتماعي وترسيخ قيم التضامن. لكن هذا الدور الاجتماعي لا ينبغي أن يتحول إلى معيار لتوزيع المسؤوليات السياسية أو إلى وسيلة لإعادة إنتاج النخب نفسها جيلاً بعد جيل.
فالمنصب الانتخابي ليس إرثاً عائلياً، ولا امتيازاً اجتماعياً، بل تكليف يمنحه المواطن لمن يراه الأقدر على تمثيله وخدمة مصالحه. وعندما يتكرر ترشح أفراد من العائلة نفسها، أو عندما تتحول المنافسة إلى صراع بين العائلات والقبائل بدلاً من التنافس بين البرامج والكفاءات، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام منافسة سياسية حقيقية، أم أمام إعادة إنتاج للنفوذ الاجتماعي؟
ليس المقصود بهذا النقد التشكيك في كفاءة كل مرشح ينتمي إلى عائلة معروفة، كما أنه لا يجوز افتراض أن جميع الناخبين يصوتون بدافع قبلي. فهناك منتخبون أكفاء من مختلف الخلفيات، وهناك ناخبون يختارون بناءً على القناعة والإنجاز. لكن الديمقراطية لا تُقاس بالاستثناءات، بل بمدى اتساع الفرصة أمام الجميع للمنافسة في ظروف متكافئة.
إن استمرار هيمنة الاعتبارات العائلية أو القبلية، متى وُجدت، قد يؤدي إلى إضعاف تداول النخب، وإقصاء الكفاءات المستقلة، وإحباط الشباب الراغب في العمل العام، كما قد يحول الانتخابات من مناسبة لتقييم البرامج إلى مناسبة لتأكيد موازين القوة الاجتماعية. وعندها تصبح التنمية هي الخاسر الأكبر، لأن المجالس المنتخبة تحتاج إلى أصحاب رؤية وكفاءة أكثر مما تحتاج إلى أصحاب نفوذ.
إن المسؤولية في معالجة هذه الظاهرة مشتركة. فالأحزاب مطالبة بأن تجعل الكفاءة والنزاهة والخبرة معاييرها الأولى في اختيار المرشحين، لا القدرة على حشد الأصوات عبر الانتماءات التقليدية. كما أن المجتمع المدني والإعلام مطالبان بتعزيز ثقافة المساءلة، وربط تقييم المنتخبين بحصيلة أعمالهم وإنجازاتهم، لا بأسمائهم أو أنسابهم. ويبقى المواطن صاحب القرار الأول، لأن صوته هو الذي يمنح الشرعية، وهو القادر على تحويل الانتخابات من منافسة بين الأشخاص إلى منافسة بين المشاريع.
لقد اختار المغرب، من خلال دستوره، ترسيخ دولة المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان المساواة بين المواطنين. وهذه المبادئ تقتضي أن تكون الفرصة متاحة لكل كفاءة، مهما كان أصلها الاجتماعي أو القبلي، وأن يكون معيار الفوز هو ثقة المواطنين المبنية على البرنامج والإنجاز.
إن احترام القبيلة باعتبارها مكوناً من مكونات الهوية الاجتماعية لا يتعارض مع بناء ديمقراطية حديثة، شريطة ألا تصبح بديلاً عن المواطنة، وألا تحل محل الكفاءة في تدبير الشأن العام. فالدولة الحديثة لا تقوم على الولاءات الخاصة، بل على المؤسسات والقانون والمصلحة العامة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل استحقاق انتخابي: هل نختار من يمثل اسم العائلة، أم من يمثل مصلحة المواطن؟ فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين انتخابات تعيد إنتاج الواقع، وانتخابات تصنع المستقبل.
تعليقات الزوار